الصفحة الرئيسية

الديمقراطية. والطغيان باسم الدين

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

كتبت هذا المقال لصحيفة التايمز اشهر الصحف الإنجليزية ونشر يوم الأحد الماضى 19 يناير. وقد تناولت فيه الأسباب التى أدت الى فشل الإخوان المسلمين فى تجربتهم فى حكم مصر وكيف أدى ذلك الى خروج ملايين المصريين فى 30 يونيو بحماية ودعم من القوات المسلحة والشرطة وكان ذلك تصحيحا لمسار ثورة ضلت طريقها. واليوم انشر نص المقال باللغة العربية ”
كانت الأزمة الحقيقية التى واجهها الرئيس السابق محمد مرسى وجماعة الإخوان المسلمين التى ينتمى اليها انه لم يفرق بين مسئوليته عن وطن كبير فى حجم مصر بكل رصيده الحضارى ومسئوليته كرمز من رموز جماعة دينية سياسية محدودة الفكر والرؤى ولم تمارس تجربة الحكم فى يوم من الأيام.
وحين قام المصريون بثورتهم يوم 25 يناير 2011 رفعوا شعارا واضحا فى عدة كلمات عيش. حرية عدالة اجتماعية. كرامة انسانية. ولأن جماعة الإخوان المسلمين كانت التنظيم السياسى الدينى الوحيد الذى سمح به نظام حسنى مبارك فقد استطاعت ان تسطو على الثورة منذ ايامها الأولى وابعدت تماما جميع التيارات السياسية التى شاركت فى هذه الثورة.
وحين وصل الرئيس السابق مرسى الى السلطة كان ينبغى ان يحرص على ثلاثة اهداف واضحة يبدأ بها حكمه.
– ان يتخلى عن ثوابته الفكرية التى اعتنقها سنوات كعضو فى جماعة الإخوان المسلمين وان يتخلص من كل انتماءاته السابقة.
– ان يسعى الى توحيد الشارع المصرى وجمع كلمته بعد ثورة يناير وان يجمع المصريين حوله على هدف واحد وهو تحقيق احلام الشعب فى ثورته وبناء تجربة ديمقراطية تشارك فيها جميع القوى السياسية
– ان يبدأ تجربته فى الحكم بفتح آفاق للحوار الوطنى لتحديد مسار الثورة وان يعطى الفرصة كاملة للشباب باختلاف انتماءاتهم.
لم ينجح رئيس مصر السابق د. مرسى فى تحقيق هدف واحد من هذه الأهداف بل انه اتخذ خطوات ابعدته تماما عن هذا المسار.
كانت مواقف الرئيس وسياسة جماعته تؤكد كل يوم رغبة محمومة فى السيطرة على مفاصل الدولة المصرية حتى لو تطلب الأمر اقصاء جميع القوى عن المشهد السياسى، إن احادية الرؤى عند الرئيس السابق وجماعته كانت تقوم على السيطرة بحيث يحتوى الجزء الكل ويصير الوطن مجرد جماعة وهنا ظهرت مخاوف اطياف كثيرة من المصريين ومنهم الأقباط والأحزاب التقليدية القديمة مثل الوفد ونخبة اليسار المصرى الليبرالى. وهنا ايضا برز هذا السؤال إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين تريد تحويل مصر الى جماعة دينية بما فى ذلك فصائل كثيرة من المواطنين المصريين المسلمين فماذا يفعل اقباط مصر وكنائسهم وطقوسهم الدينية.
لم تكتف جماعة الإخوان المسلمين بإقصاء القوى السياسية ولكنها استطاعت فى شهور قليلة من حكم د. مرسى ان تقسم مسلمى مصر الى فرق واحزاب وفصائل. وهنا ظهرت قوى السلفيين والجهاديين واهل السنة وكان التحالف الأخطر ان جمع الإخوان المسلمون القوى الإسلامية المتطرفة ومنها من قام بأعمال ارهابية او شارك فى اغتيال السادات. وكان خطأ رئيس مصر السابق ان سمح لقوى التطرف الدينى ان تتصدر المشهد السياسى وان تعلن الحرب الدينية على كل من يخالفها فى الفكر او الرأى وانقسم المصريون لأول مرة فى تاريخهم الى مؤمنين وكفار اكمل د. محمد مرسى قصته مع الحكم حين اصدر فرمانا بإعلان دستورى يمنحه صلاحيات لم تمنح لرئيس مصرى سابق لكى يضع اسسا جديدة لدولة الإستبداد والقمع باسم الدين تمهيدا لإعلان دولة الخلافة وتحويل 90 مليون مصرى الى مجرد اعضاء فى جماعة الإخوان المسلمون
هنا خرج 30 مليون مصرى يوم 30 يونيو 2013 يرفضون دولة الاستبداد باسم الدين ويطالبون بتعديل مسار ثورة يناير التى اختطفها الإخوان المسلمين ووقف الجيش المصرى وقوات الأمن والشرطة تحمى ارادة هذا الشعب.
إذا كانت الديمقراطية هى حق الشعب فى اختيار من يحكمه فهى ايضا التى تعطى الشعب نفس الحق فى ان يعزله.

 ويبقى الشعر”قصيدة هانت على الأهل الكرام دمانا سنة 2012 “

هانت على الأهل الكرام دمانا
مازالت ارواح شهداء ثورة يناير تحلق فى سماء ميدان التحرير وفى كل ارجاء المحروسة رغم ما شهدته مصر فى السنوات الماضية من الصراعات والانقسامات والاتهامات بين القوى السياسية. فى نهاية المطاف يبقى الدم اغلى واقدس وانبل ما يقدمه الإنسان لوطن او حلم او قضية. تحية للشهداء الذين رحلوا دون وداع وبقيت دماؤهم لعلها تطهر خطايا من لم يرحل.
هانتْ على الاهل ِ الكرام ِ دمانا
وتفرقتْ بين الرفاق ِ خـُطانا
عُدنا إلى الميدان ِ نسألُ حلمَنا
بكتْ الربوع ُوحزنـُها أبكانا
أينَ القلوبُ تضىء فى أرجائِه
وتزُف شعبًا فى الصمودِ تفانـى؟!
أين الرفاقُ وأين صيحاتٍ بدتْ
للكون ِ بعثـًا عاصفا أحيانـا؟!
أينَ الشبابُ وقد توحدَ نبضُهـم
وتجمعوا فى بأسهم إخـوانا؟!
أينَ الحناجُر كيف قامت صرخة ً
كم أيقظتْ بصهيلها الفـُرسانا؟!
وجهُ الشهيدِ وقد تناثـَر فى المدى
وغدا نجومًا فى دُجى دُنيانا
جسدٌ يحلقُ فى الأيادى سابحا فى حضن ِ أمُ ٍّ أشبعتـُه حنـانا
هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمانـا
نامتْ على الدربِ الحزين ِ جوانحٌ
وتجمدتْ خلفَ الرؤَى أجفانا
والناسُ تسألُ: ما الذى يبقى لنـا
بعد الشهادة ِ موطنـًا ومكانا؟
يومًا غرسنا الحُلمَ فى أعماقنا
حتى غدا فى يأسنا بُركانـا
أن نطلقَ الشمسَ السجينة َ بيننا
ليُطِلَّ صبحٌ من خريفِ صبانا
فى ساحةِ الميدان كنا أمة ً وهبتْ رحيقَ شبابها قـُربانا
أجسادُنا كانت تلوذ ُ ببعضها
حزنُ الترابِ يعانـقُ الأكفانا
يتعانقُ الدمُ الجسورُ على الثرى
كنا نراه كنيسـة ً وأذانـا
فى ساحةِ الميدان صلـَّيْنا معـا
قمنا حشودًا نرجمُ الشيطانـا
وتطوفُ فى الميدان أرواحٌ بدتْ
فوق البيوتِ أزاهرًا وجـِنانا
الكونُ صّلى. والسماءُ تطهرتْ
من رجس ِ عهدٍ مُظـْلِم ٍ أعمانا
هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمَانا
هل تذكرونَ شبابنـا وصبانـا
والأرضُ تحضن بالدموع ِ دِمانا؟!
ونطوفُ فى صخبِ الشوارع ِ لا نرى
غيرَ الرّصاص ِ على المدى يلقانا
وقذائفُ القناص ِ تسكن أعينا
ويَتِيهُ بين جنودِه نشوانـا
لم يرحم ِ العينَ السجينة َ فى الأسى
رسمَ النهاية َ خسة ً وهوانا
يُلقى علينا النارَ وهى خجولة ً
والنارُ ترحمُ بعضـهَا أحيانـا
كنا نرى أن الوفاءَ ضريبة ٌ
حقٌ لمن وهبَ الحياة َ وعانـى
عدنا إلى الميدانِ نسألُ ما بـه؟
صرخَ الحزينُ وبؤسه أدمانا
حين انتفضنا فى الشوارع ِ لم يكنْ
سوقُ الغنائم ِمطمعا أغوانا
هانتْ على الأهل ِالكرام دمانـا
أترى نسيتم دمعنا ودمانا
عرسٌ تبدلَ بيننا أحزانـا
ما عادت الأيدى تصافحُ بعضَها َ
حتى خـُطانا. لم تعدْ كخطانا
كيف الدماءُ تمردتْ فى مهدها
وبكل قلبٍ مزقتْ شِريانا؟
صرْنا أمامَ الناس ِ خدعة َ صبيةٍ
هدموا البلاد. وخـَّربوا الأوطانا
هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمانـا
عاد الزمانُ الوغدُ يعبث خلسة ً
ويدورُ حـول دماءِنا ظمآنا
وطنٌ يُساومنا. وعهدٌ فاجرٌ
وفساد طاغيةٍ. وشعبٌ عانى
وتسابقت للثأر ِ عصبة ُ قاتـل ٍ
حشدوا الفلولُ. وحاصروا الفِرسانا
فرعونُ فى صخبِ المزاد يبيعنا
ويُطلُ خلفَ جنودهِ سكرانا
وعِصابة ُ التدليس ِ ترتعُ حوله
وتـَشيدُ من أشلائنا التيجانا
فإذا انتشى الفرعونُ قام رجالـه
سحلوا النساءَ. وضاجعوا الشيطـانا
رَكـْبُ العبيد الساجدين ِ بعرشه
ألغوا الأذانَ. وحرفوا القرآن
وعلى بقايا النهر جاعت أمة ٌ
كم أطعمتْ من خيرها بُلدانا
نهبوا ثمار الأرض. باعوا سرَّها
الذئب يعوى. واللصوصُ حزانـى
تتنكرونَ لمن أضاءوا ليلكم
وتبايعونَ الأَفكَ والبُهتانا!
من شردوا وطنـًا وباعوا أمة ً
وتواطأوا فى غيّهم أزمانا
هانتْ على الأهل ِ الكرام ِ دمانا
هل تذكرون َ دموعنا ودمانا
الـركبُ ضلَّ. فمنْ يعيدُ خطانا؟!
الموتُ لم يهزمْ جسارةَ عمرنا
لكنَّ ظلمَ الأهل ِ قد أشقانا
حتى الأماكنُ هاجرتْ من حُلمها
وتبدلت أشواقهـا هِ جَرانا
فى كل ذكرى سوف نرفعُ رأسَنا
لنرىَ المفارقَ كلها مَيْدانا
فإذا غفا يومًا وشاخَ شبابُه
أو عاد يشكو العجزَ والنسيـانـا
وأفاقَ فى صخبِ الجموع ِ وقد رأى
فرعونَ آخرَ يجمـعُ الكهانـَا
سُيطِلُّ من صمتِ الحناجر يمتطى
زمنَ الإِباءِ. ويعلـنُ العصيانا
ويعود يحكى عن شبابٍ ثائر ٍ
وهبَ الحياة لشعبنا وتَفـَانى
كانوا رجالا ً فى الخطوب وأنجمًا
كالبرق ِ لاحت فى ظلام ِ سَمَانا
كانوا دعاءَ الأمُ ِّ. فرحة َ عيدِها
ونقاءَ أرض ٍ أنجبـتْ فِـرسانـا
فإذا خـَبتْ فى ليلكم ذكـْرانا
وغدا الشبابُ مُحاصرًا. ومُهانا
لا تسألوا كيف الرفاقُ تفرقوا
ولتسألوا: من فى الضمائر ِ خانا؟
عودوا إلى الميدان ِ. قوموا فتشوا
عن عاشق ٍ فى حُبه كم عانى
من قامَ يومًا يرفضُ الطغيانا
لا. لن يكونَ منافقا وجَبـانا
هو لم يكن جيلا ً طريدًا ضائعا
بل كان شمسَا أيقظتْ أوطانا

أضف تعليق