الصفحة الرئيسية

الرئيس أولا. أم البرلمان؟

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

يظل منصب الرئيس أحد ثوابت وخصوصية الدولة المصرية عبر التاريخ. وفى ظل مركزية الدولة منذ آلاف السنين على ضفاف النهر الخالد كان لرئيس مصر سمات خاصة سواء كان فرعونا أو خليفة أو حاكما أو ملكا. أسماء كثيرة حملها رأس السلطة فى الدولة المصرية حتى إنه فى أحيان كثيرة تحول إلى ما يشبه الاله فى الدولة الفرعونية القديمة. وأهم ما كان يحمله حاكم مصر من الصفات أنه صاحب القرار الأول وربما الأوحد وهو صاحب العطايا وموزع الأرزاق وهو يملك كل شىء فى ربوع المحروسة الأرض والزرع والبشر. كان هذا حال رئيس مصر أو صاحب السلطة العليا فيها. واختلفت درجات الحكام فى الأدوار والإنجازات وربما الانكسارات وتفاوتت سنوات الحكم وظروفه هناك من حكم عشرات السنين، وهناك من لم يحكم غير ليلة واحدة وأمام النفوذ والسلطان وصلت مكانة الحاكم إلى أخطر درجات الاستبداد وأصبح سيفا مسلطا على رقاب شعبه.
وفى الأيام الأخيرة دار جدل كبير بين القوى السياسية ومؤسسة الرئاسة حول سؤال تفرضه الظروف وهو هل نبدأ بالانتخابات البرلمانية أم الرئاسية، وأيهما أهم فى هذه المرحلة رئيس يحكم أم برلمان يصدر القوانين والتشريعات وقياسا على الواقع المصرى أيهما أهم من حيث الدور والمسئولية الرئيس أم البرلمان.
ما زال الجدل دائرا حول القضية ومازال الرئيس عدلى منصور يعقد الاجتماعات واللقاءات مع فئات كثيرة شملت النخبة المصرية من أهل السياسية والفكر والعمال والفلاحين والمهنيين والشباب والمرأة والشيوخ. إن الجميع ألقى الكرة عند باب المستشار عدلى منصور بصفته حكما محايدًا ورمزًا من رموز العدالة فى مصر قبل أن يكون رئيسا لها.
بداية وبلا لف أو دوران أقول إننى أؤيد وبشدة وإصرار أن تجرى الانتخابات الرئاسية أولا وان يتم ذلك بعد أسابيع قليلة من إعلان نتيجة الاستفتاء على الدستور وعندى من الأسباب الكثير أقول منها.
– إنه لا مجال للمقارنة بين سخونة وضبابية الانتخابات البرلمانية وانتخابات الرئاسة نحن أمام صدام مباشر بين قوى كثيرة فى الانتخابات البرلمانية. وفى ظل الانقسامات الدامية التى يشهدها الشارع المصرى الآن سوف تعيش مصر أسوأ حالات الصراع للاختيار بين المرشحين للبرلمان. نحن أمام كتل سياسية ليبرالية. وأخرى دينية وقوى فى السجون تريد أن تنتقم، وقوى أخرى عانت وتريد أن تثبت ذاتها ونحن أمام مجتمع أنقسم حتى وصل إلى الأسرة المصرية ومعنى أن نبدأ بالانتخابات البرلمانية أن هذه القوى جميعها سوف تدخل فى معارك دامية قد لا يحتملها الشارع المصرى بظروفه الحالية وهو ينتظر ساعة من الاستقرار والأمن. وهنا يكون البديل الأفضل أن تجرى الانتخابات الرئاسية أولا لاختيار رئيس للدولة.
إن معركة الرئاسة ستكون الأهدأ والأقل خطورة وسوف تستغرق يوما واحدا إلا إذا كانت هناك إعادة والفرق كبير جدًا بين الإعادة فى الرئاسة بين مرشحين أو أكثر وبين مئات المناطق وآلاف المرشحين فى عشرات ومئات اللجان فى الانتخابات البرلمانية. هنا من حيث المناخ والظروف فإن اختيار الرئيس أولا هو الأضمن والأفضل.
– نحن فى حاجة إلى رئيس أكثر من حاجتنا إلى البرلمان فى الظروف الحالية لأن رأس الدولة فى المجتمع المصرى شئنا أم أبينا هو الأهم، لقد عاشت مصر فترات طويلة بلا برلمان ولكنها كانت دائما تحرص على رأس الدولة لأن فى وجوده ضمانات أكثر نحن فى حاجة إلى رئيس أولا وهناك مؤسسات تحميه ممثلة فى الجيش والشرطة والقضاء والحكومة والإعلام ودوائر أخرى تحمل سلطة القرار أن فى ذلك ضمانات مؤكده لتسيير الأعمال فى الدولة حيث لن يتوقف شىء. ستكون معه حكومة مسئولةوقضاء حاسم وجيش قادر وشرطة مسئولة وإعلام يساند. كل هذه المؤسسات والأجهزة يمكن أن تعمل مع رئيس الدولة ولكن البرلمان لا يستطيع أن يكون بديلا للرئيس، ومن صلاحياته إدارة هذه المؤسسات لأنها جميعا على قدم المساواة وقد تتصارع فيما بينها فى ظل غياب رأس الدولة أى الرئيس المسئول.
– إن وجود الرئيس سوف يضع ضمانات لاستكمال خارطة الطريق بصورة أفضل بما فى ذلك الإشراف على الانتخابات البرلمانية. إن أخطر ما فى هذه الانتخابات هو مناخ الانقسام التقليدى ممثلا فى الصراعات التقليدية بين القبائل والعائلات فى مناطق كثيرة من ريف مصر فى الدلتا والصعيد. وإذا أضفنا لذلك ما شهدته مصر من انقسامات فى السنوات الاخيرة فسوف تتضح لنا الصورة بكل شواهدها. نحن أمام صراعات محتملة بين فلول الإخوان المسلمين وفلول الحزب الوطنى. ولن يكون غريبا أن نرى صور الماضى قبل الثورة فى هذه المواجهة سوف تكون هناك تصفية حسابات بين رموز نظامين ورئيسين وجبهتين بينهما تاريخ طويل من الصراع. على جانب آخر فإن القوى الليبرالية ستواجه اختبارا صعبا فى تأكيد وجودها بعد معارك كثيرة خسرتها فى الأعوام الماضية. ويضاف لذلك انقسامات جديدة بين التيارات الدينية التى وصلت الخلافات بينها إلى درجة القطيعة كما حدث بين الإخوان والسلفيين ومع تواجد مؤكد لأقباط مصر فى الشارع فى هذه الانتخابات لنا أن نتصور سخونة المعركة وتوابعها الكثيرة.
هذه هى صورة المعارك الحاسمة فى الانتخابات البرلمانية فهل يمكن ان يحدث ذلك كله والدولة تعانى فراغا رئاسيا. إن وجود رئيس منتخب أمام هذه القوى سوف يحسم أشياء كثيرة وسوف يحقق قدرا من الاستقرار فى ظل حماية الجيش والشرطة وجموع المصريين الباحثين عن الأمان.
– مع إعلان نتيجة الاستفتاء على الدستور وانتخابات الرئيس سوف يلى ذلك مباشرة تشكيل الحكومة ومن حيث الاختصاصات فقد حدد الدستور شكل العلاقة بين مؤسسات الدولة وأهمها ثلاثية الرئيس والبرلمان والحكومة. إن وجود الرئيس والحكومة لن يقلل من أهمية البرلمان أو مسئولياته ولكن البرلمان وحده لن يعوض الحكومة ولن يغنى عن منصب الرئيس فى حين أن وجود الرئيس مع الحكومة فى ظل الدستور يمكن أن يعطى فرصة أكبر لانتخابات برلمانية مستقرة ومواجهة حاسمة مع قوى الإرهاب والفوضى وفى ظل المؤسسة العسكرية والشرطة والقضاء يمكن أن تستعيد مصر الدولة الكثير من عافيتها مع وجود رئيس منتخب.
أمام العالم الخارجى فإن احتفال المصريين برئيس جديد منتخب سيكون أكثر تأثيرا من انتخاب البرلمان وفى النهاية يبقى منصب الرئاسة رمزا واضحا وصريحا بخلاف البرلمان حيث تتعدد الاتجاهات والتيارات والقوى السياسية. إن انتخاب الرئيس سوف يعيد جسورًا كثيرة مع العالم الخارجى خاصة تلك القوى التى شككت فى التجربة المصرية.
– لا توجد ضرورة للبدء بالانتخابات البرلمانية حتى تأخذ القوى السياسية فى الشارع المصرى فرصتها لتدبير أحوالها مع الناخبين وهذه الفرصة ستكون متاحة أمام الجميع وفى ظل شىء من الاستقرار والأمن يمكن أن تجرى الانتخابات البرلمانية بصورة أفضل.
إن غياب الأمن يهدد كل صور الانتخابات فى حياة المصريين سواء كانت برلمانية أو رئاسية ولكن الصراعات فى انتخابات البرلمان ستكون هى الأعنف والأخطر وربما حملت المزيد من الفوضى ولكن وجود رئيس منتخب يمكن أن يقلل من هذه الفوضى فى انتخابات البرلمان بحيث تسير بطريقة أكثر استقرارا خاصة إذا تجاوزنا محنة الإرهاب واستطعنا تطهير سيناء وحسم الجيش المواجهة هناك.
سوف يقول البعض إن انتخابات الرئيس قبل البرلمان سوف تواجه أزمات كثيرة من أهمها هذا السؤال كيف سيؤدى الرئيس اليمين الدستورية وأمام من؟. وما هو مصير القوانين والتشريعات التى يصدرها فى ظل غياب البرلمان. وماذا عن تشكيل الحكومة وأين دور البرلمان فى اختيار رئيس الحكومة وماذا عن مستقبل تجربتنا مع حكومة الأغلبية.
ليس هناك ما يمنع من أن يؤدى الرئيس اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا وقد ينضم لها المجلس الأعلى للقضاء بحيث يتم أداء اليمين مرة أخرى مع أول جلسة يعقدها البرلمان بعد انتخابه. أما القوانين والتشريعات فليس هناك ما يمنع إصدارها فى حالة الضرورة القصوى فى صورة قرارات رئاسية لها صفة القانون إذا تطلب الأمر ذلك.
يبقى بعد ذلك تشكيل الحكومة فى ظل غياب البرلمان خاصة أنها الحكومة التى ستشرف على الانتخابات البرلمانية ويجب أن يلتزم أداؤها بالحياد والشفافية وهذه كلها أمور يجب أن تناقش بكل جوانبها القانونية والدستورية بين الرئيس المنتخب وباقى مؤسسات الدولة.
إن الواضح أمامنا الآن ان الشارع المصرى يميل كثيرا فى اتجاه انتخابات رئيس الدولة أولا وهذا القرار فى يد الرئيس عدلى منصور خاصة أن الجميع يبحث عن الاستقرار فى الفترة المقبلة ويتصور أن إجراء الانتخابات الرئاسية سيكون خطوة أولى نحو هذا الهدف.
الدولة المصرية فى حاجة لأن تستعيد عافيتها وهى تخوض أكثر من معركة ضد الإرهاب والفوضى والأعباء الاقتصادية وانفلات المجتمع بكل طوائفه واتجاهاته وقبل هذا كله مأساة الانقسام التى أصبحت تهدد ثوابت هذا المجتمع. هذه الدولة فى حاجة إلى رئيس أولا. وبعد ذلك نستكمل الحوار

ويبقى الشعر. “قصيدة وخلفنا ذئب الغنم سنة 1993 “

ألمٌ. ألمْ
مَاذا جنيتُ من الألمْ؟
وجهٌ كسيرٌ. وابتساماتٌ.
كضوْء الصُّبْح بعثرها السَّأمْ.
حُلمٌ حزينٌ بين أطلال النـِّهايةِ.
فى ذبُول ٍ. يبتسمْ
عُمْر على الطـُّرقات كالطفـْل اللـِّقيطِ.
يسائلُ الأيَّام عنْ أبٍ. وأمْ
نهْر جريحٌ
تنزفُ الشطآنُ فى أعْماقهِ
حتـَّى سواقيهِ الحزينة ُ.
ماتَ فى فمهَا النغمْ
ندمٌ. ندَمْ
ماذا جنيْتُ من الندَمْ؟
سيْفٌ تحنط فوْقَ صدْر النيل ِ.
يَحْكى قصَّة الزَّمَن الأشمْ
سجنـُوهُ فانتحَرَتْ أغانيهِ الجميلة ُ
وانزوتْ أحلامُه السَّـكرى
وصَارتْ كالعدَمْ
شطآنـُه الخضْراءُ تأكلـُها الأفاعِى
مَاؤه الفضّىُّ تسْكنه الرمّمْ
فى كلِّ شبْر ٍ.
منْ رُبُوع النـَّهْر أفاقُ
يبيعُ الناسَ جهْرًا. والذممْ
منْ جاءَ بالوجْهِ الملطـَّخ بالخطايَا
كىْ يؤمَّ النـَّاسَ فى قلبِ الحرمْ
منْ جاءَ بالقلم الأجـِير
لكىْ يبيعَ لنا المَوَاعظ والحكمْ
لنْ يسْتوى سيْفٌ يسبِّحُ للضَلال.
وَسَيْف عَدْل ٍ. قدْ حكمْ
عدمٌ. عَدَمْ
ماذا جنيتُ من العَدَمْ؟
يبْكى أبوالهَوْل المحطمُ فى ذهُول ٍ.
تعلنُ الأحْجارُ عصْيانَ الهرمْ
هلْ بعْدَ هذا العُمْر.
يسْقط تاجُهُ المرْصُودُ منْ نـُور ودَمْ؟
مَا بينَ أنصَافِ الرِّجَال ِ.
وباعَةِ الأوْهَام. والغلـْمَان ِ
تنتحرُ الشـُّعوبُ.
وينـْزَوى فجْرُ الأمَمْ
مَازلتُ أمْضى فى الطـَّريق ِ.
وأسْألُ الزَّمنَ الجَبَانَ
بأنْ يثورَ. وَيقتحِمْ
فيطلُّ منْ بيْن الخرَائبِ.
ألفُ دجَّال ٍ. وألفُ مُقامر ٍ.
والكلُّ منْ جسْم الغنيمَةِ يقتسمْ
منْ علـَّم الوطنَ الجميلَ
بأنْ يبيعَ الابن
فِى سُوق النـّخَاسَةِ والعَدَمْ؟
يَا أيُّها الوطنُ
الذى أسكنتهُ عيْنى
وأسْكننِى سَراديبَ النـَّدمْ
قمْ منْ ترابكَ
أطلِق الأحْجَارَ فى وجْهِ السُّكارَى.
والمَواخير الكئيبةِ.
لا تدعْ فى أىِّ رُكن ٍ منْ روابيهَا صنمْ
كلُّ الذى أبقتْ لنا الأيـَّامُ
فى الوَادى الجَميل
دموعُ حُزن ٍ. أو ألمْ
منْ يا ترى فينا ظـُلم
من يا ترى فينا ظـَلم
فإلى متى.
سيظل يحملنا زمان القهر
من هم. لهم
وإلى متى.
سيظل أقزام الزمان الوغد
فى أعلى القمم؟
وإلى متى
سنظل نجرى فى القطيع.
وخلفنا. ذئب الغنم؟

أضف تعليق