الصفحة الرئيسية

السيسى. وأحلام المصريين

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

يبدو أن الأقدار تدفع بالمشير عبدالفتاح السيسى الى مقعد الرئاسة فى مصر وللأمانة فأنا اشفق على الرجل كثيرا من تحمل هذه المرحلة بكل أعبائها وهى غاية فى الإرتباك والفوضى فلم تعد السلطة فى مصر مغنما بل اصبحت عبئا ثقيلا.
الشواهد تضع المشير السيسى فى مقدمة المشهد امام اصرار شعبى وضرورة لا بديل عنها، وإذا كانت الأقدار تلعب فى حياتنا دورا فإن المقدمات خاصة إذا كانت صحيحة تدفع بنا الى نتائج مقبولة ولا شك ان المشير السيسى استطاع فى فترة زمنية قصيرة جدا ان يحصل على تأييد ودعم كبيرين من الشارع المصرى.
لقد دخل المشير السيسى فى مواجهة كبيرة وهو يواجه متحديا تجربة فاشلة فى الحكم كادت تؤدى الى انهيار مؤسسات الدولة المصرية بالكامل. كانت هذه المعركة قادرة على ان تطيح بالرجل وكل رفاقه فى المؤسسة العسكرية وللإنصاف فإن الرجل لم يقدم على ذلك الا بعد ان خاض معارك دامية لكى تمضى السفينة فى امان كما اراد لها.
من اجل إثبات حسن النوايا كانت دعوته الى غداء عمل بين القوى السياسية المتناحرة ربما وصل الحال الى اتفاق او مصالحة. وقبل ميعاد الغداء بساعة واحدة صدر امر رئاسى بإلغاء المبادرة رغم ان جميع اطراف المشهد السياسى وافقوا على الحضور لعلها تكون مخرجا امام افق سياسى تلبد بالغيوم. كانت قراءة المشير السيسى للمشهد ان مصر على ابواب كارثة قد تصل الى حرب اهلية امام فشل تجربة الإخوان فى الحكم وغياب الحوار وإقصاء جميع القوى السياسية وارتفاع صيحات التطرف وترهيب المصريين امام زعامات دينية من ارباب السوابق خرجت من السجون لتكفير المصريين وترويعهم. لم ييأس المشير السيسى من محاولات النصح والإرشاد فذهب مع قادة جيوشه الى الرئيس المعزول ناصحا ثم محذرا من خطورة اللحظة التى تعيشها مصر. ولم يسمع احد.
– ولم تقتصر الأمور على محاولة واحدة بل انها امتدت الى خمس محاولات كان شاهدا عليها جميع قادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة وكان الهدف توضيح الصورة والخطر الذى يحيط بمصر شعبا ودولة وضرورة لتعديل المسار حتى لا تغرق السفينة. وهنا ايضا لم يسمع احد.
– كان فشل الإخوان فى إدارة شئون الدولة امرا واضحا امام الجميع إلا الرئيس المعزول الذى لم يدرك هذه الحقيقة. على جانب آخر كانت صراعات النخبة المصرية قد وصلت الى اعلى درجات الإرتباك والفوضى والصدام امام غياب الرؤى والحسابات الشخصية وعدم ادراك خطورة اللحظة التى تعيشها مصر. كان فشل تجربة الإخوان فى الحكم وظهور رؤوس التطرف الدينى فى المشهد وتكفير الملايين من البسطاء وغياب الحلول الحقيقية لمشكلات وازمات المواطن المصرى اكثر ما يؤرق السيسى، وكان موقف النخبة وصراعات رموزها يدفع بالمجتمع كله الى مواجهة غير محسوبة النتائج. وامام جماعة وصلت الى تكفير شعبها ونخبة غير قادرة على مواجهة تحديات المرحلة لم يكن امام السيسى غير ان يطلب من الشعب تكليفا بمواجهة الأزمة التى تعيشها مصر واستجاب المصريون لدعوته وخرج الملايين يوم 30 يونيه ثم كان الإعلان الدستورى وتنصيب الرئيس المؤقت المستشار الجليل عدلى منصور وتشكيل حكومة مدنية ثم إعلان لجنة العشرة ثم لجنة الخمسين ثم الإستفتاء على الدستور.
هذه المقدمات جميعا تؤكد اننا امام رجل تحركه فى كل شئ دوافع وطنية صادقة حين دعا الى الحوار بين النخبة ولم يستجب له صاحب القرار ثم كانت النصائح والمطالب والتحذيرات من خطورة الموقف ثم ترتيب اوراق المرحلة الإنتقالية واولوياتها ومع هذا كله مواجهات دامية فى الشوارع من فلول الإخوان ومواجهات خارجية ضارية ترفض خروج مصر من اطار التبعية الذى فرضته سنوات عجاف ثم التزامات سرية لجماعة الإخوان المسلمين تجاه اطراف دولية شملت تنازلات عن الأرض وادوار سياسية مشبوهة.
– فى المرة الأولى التى شاهدت فيها المشير عبدالفتاح السيسى كنا مجموعة من الكتاب والمفكرين فى لقاء مع عدد من اعضاء المجلس العسكرى فى الأيام الأولى بعد رحيل نظام مبارك ويومها لفت نظرى ان محور الحديث يدور حول المشير السيسى وكانت امامه اوراق كثيرة ولاحظت انه يتجاوز فى حدود معرفته ومعلوماته ما يتعلق بشئون القوات المسلحة واذكر يومها انه قدم عرضا مستفيضا لنا عن موقف السلع الإستراتيجية فى قطاعات كثيرة منها التموين والوقود والخدمات العادية. كان ذلك بالدلائل والأرقام. بقى عندى انطباع عابر عن شخصية المشير السيسى انه رجل عسكرى يقدر قيمة المعلومات ولديه قدرة على قراءتها قراءة صحيحة وهو حاسم ومحدد فيما يقول او يفعل. وانه لا يؤمن بظواهر الأشياء وحدها ولكنه قادر على ان يقرأها بكل التفاصيل. بعد ذلك ادركت ان الرجل قدم نفسه وروحه فى لحظة كان من الممكن ان يدفع ثمنها غاليا وان لديه من الشجاعة والجسارة كرجل مقاتل ان يتخذ القرار الصعب فى التوقيت الأصعب وبجانب هذا فإن آداء السيسى فى تطوير المؤسسة العسكرية كان إنجازا كبيرا منذ تولى مسئولية وزارة الدفاع.
فى تقديرى ان الأقدار هى التى حملت السيسى الى مقدمة المشهد ومثل هذه اللحظات التاريخية قد لا يملك الإنسان فيها شيئا غير ان يستجيب لقدره. وقد حدث هذا فى تاريخ مصر مرات كثيرة. حدث عندما جمع الشيخ عمر مكرم كبراء مصر وذهبوا الى محمد على ليكون واليا عليها، وحدث مع عرابى عندما وقف امام الخديوى توفيق وهو يصيح متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا. وحدث عندما جاء سعد زغلول المحامى المجهول ليقود ثورة شعب. حدث هذا مع رموز حقيقية فى تاريخ المصريين.
لا بد ان اعترف بأننى اشفق كثيرا على المشير السيسى وهو يواجه قدره بكل ما فيه من الأعباء والتحديات ورغم ثقتى الشديدة فى قدراته الإنسانية وإخلاصه لهذا الوطن إلا ان امامه تحديات كبيرة عليه ان يواجهها.
– امام المشير السيسى معركة مع فلول النظام الأسبق وهؤلاء وان بدت منهم روح التعاون إلا ان فيهم امراضا قديمة ينبغى التخلص منها. انهم يريدون سلطة تحقق لهم مصالحهم وقد تعارضت كثيرا مع مصالح هذا الشعب وافتقدوا العدالة فى توزيع ثروات هذا الوطن وسوف يكونون عوامل هدم إذا تمسكوا بأساليبهم القديمة فى استنزاف موارد مصر ونهب ثرواتها. كان هناك زواج باطل بين اثرياء الحزب الوطنى والسلطة وكان هناك زواج عرفى بين سلطة الحزب الوطنى وامواله والإخوان المسلمين ومطامعهم وكان ذلك كله على اطلال هذا الشعب وليس من المستحيل ابدا ان تجمع الأحداث والمصالح بين اعداء الأمس بين الوطنى والمحظورة مرة اخرى إذا اقتضت المصالح ذلك.
– امام المشير السيسى فقراء مصر وهم اكبر احزاب مصر عددا وهم يعانون الفقرين، ذل الحاجة. وذل المرض والبطالة. ان الملايين التى خرجت يوم 30 يونيه وشاركت فى الإستفتاء على الدستور واحتفلت بثورة يناير لم تخرج لأسباب سياسية فهى لا تعرف الأحزاب ولم تشارك فى الصراعات السياسية انها تبحث عن الأمن فى بيوتها والإستقرار فى حياتها وان تتوافر لها اساليب الحياة الكريمة عملا ومسكنا وغذاء وكرامة. هؤلاء لم يخرجوا طوال سنوات ثلاث ولم يتظاهروا رغم الحاجة والظروف الصعبة وقد طال صبرهم ما بين عهد بائد ظل ثلاثين عاما وعهد مستبد وثورة لم تحقق لهم شيئا.
– امام المشير السيسى حسابات دولية فرضت على مصر ادوارا لا تتناسب مع شعبها تاريخا ودورا وهى لن تتسامح فى محاولات الخروج من هذه الدائرة الجهنمية من المصالح المشبوهة. ان عودة مصر الى دورها يهدد اطرافا كثيرة اقليمية ودولية سوف تسعى جميعها الى بقاء مصر فى حدودها ولن تنهض مصر إلا من الداخل اولا بأن تواجه مشاكلها وازمات شعبها وان تستعيد قدراتها. ان التاريخ يقول لنا ان مصر إذا قامت فهى تغير حسابات كثيرة وانها لا تقوم ولن تقوم إلا بشعبها وعلى المشير السيسى ان يعيد روح البناء والإنتاج والإبداع لهذا الشعب. يجب ان يعود المصريون الى انفسهم لأن هذا هو اول الضمانات لإسترداد دورهم. لابد ان نسترد مصر اولا حتى تسترد مكانتها.
هناك اطراف دولية كثيرة ترى ابقاء مصر على حالها ونحن كشعب ودولة ونظام نستطيع ان نخرج من هذا الحصار ولدينا عشرات المشروعات التى يمكن ان ننطلق منها نحو مستقبل وحياة افضل. لدينا مشروع قناة السويس وتنمية سيناء والساحل الشمالى وتوشكى وآلاف الكيلو مترات على البحار ولدينا بحيرة ناصر وقبل هذا لدينا ازمة كبرى مع اثيوبيا حول سد النهضة ومياه النيل وهى قضية لا تقبل المساومة والتأجيل.
– امام المشير السيسى ازمة الإعلام المصرى ولا بد ان اعترف إننى اخاف على كل صاحب قرار فى هذا البلد صغيرا كان ام كبيرا من شطط الإعلام المصرى بكل وسائله وانتماءاته. لقد اصبح الإعلام دولة داخل الدولة وله ذيول خارجية كثيرة يجب قطعها وهناك اخطار كثيرة تمتد داخل العقل المصرى وتعبث فيه كما شاءت. ان الإعلام الأن قوة قادرة على تحطيم ثوابت كثيرة وهدم كل مقومات الدول والشعوب وقد وصل الإعلام المصرى الى درجة من الخطورة يحتاج معها الى حكمة العقلاء واصحاب الضمائر.
– يتهيأ المشهد المصرى الأن لاستقبال السيسى رئيسا ولا اتمنى ان ارى فيه ظلالا من ماضى مصر حتى وان كان جميلا. نريد ان نراه مستقبلها الذى حلمنا به ولم يتحقق. لقد اثبت وبالتجربة انه مقاتل شرس وهو يقود معركته ضد تفكيك الدولة المصرية وتقسيم شعبها ثم رأيناه يتصدى بجسارة لحشود الإرهاب فى سيناء فقد كان جسورا وهو يواجه محنة وطن فى لحظة تاريخية صعبة، والظروف التى تعيشها مصر الأن تحتاج الى هذه الجسارة لكى نواجه المستقبل بكل تحدياته. وهو يعرف الكثير من ازمات ومشاكل المواطن المصرى وهو يدرك حجم التحديات التى يواجهها القرار المصرى بكل مستوياته. انا شخصيا لا اريده زعيما نحمله على الأعناق. ولا اريده فرعونا يحيط به الكهنة والحواريون، لا اريده اسطورة يصنعها خيال او احلام او حشود او مواكب ولا اريده امبراطورا يحلق فى سماء الكون اريده انسانا مصريا بسيطا كما هو يقتسم معنا رغيف الخبز ويشاركنا احلامنا الصغيرة ويمضى معنا لنواجه همومنا الكبيرة ويحقق الأمان والإستقرار لشعب عانى كثيرا من الظلم والقهر والإستبداد. انه لن يصنع شيئا وحده ولكن مع وحدة هذا الشعب سوف ينجز الكثير. احلم وانا اعيش خريف العمر ان ارى فى سماء وطنى يوما حلما قديما يسمى الديمقراطية وإحساسا رائعا يسمى الكرامة ومعركة انتخابية تكون حديث العالم. وإنسانا آمنا فى بيته ورزقه واسرته وحياته. نريد مصر التى حلمنا بها يوما ومن حق ابنائنا ان يعيشوا هذا الحلم.

ويبقى الشعر. من قصيدة “حتي الحجارة أعلنت عصيانها” سنة 1998

فلتسألوا التاريخَ عنِّي
كلُّ مجدٍ تحت أقدامي ابتدا.
أنا صانعُ المجدِ العريقِ ولم أزل
في كلِّ رُكنٍ في الوجودِ مُخلَّدا.
أنا صحوةُ الانسانِ في ركبِ الخُلودِ
فكيفَ ضاعَت كلُّ أمجادي سُدَى.
زالت شعوبٌ وانطوَتْ أخبارُها
وبقيتُ في الزَّمنِ المكابِرِ سيِّدا.
كم طافَ هذا الكونُ حولي
كنتُ قُدّاساً. وكنتُ المعبد ا.
حتى أطَلَّ ضياءُ خيرِ الخَلقِ
فانتفَضَت ربوعي خشيةً
وغدوتُ للحقِّ المثابرِ مسجدا.
يا أيُّها الزَّمنُ المشوَّهُ
لن تراني بعدَ هذا اليومِ وجهاً جامِدا

. قولوا لهُم
إنَّ الحجارةَ أعلنَت عِصيانَها
والصامِتُ المهمومُ
في القيدِ الثقيلِ تمرَّدا.
سأعودُ فوقَ مياهِ هذا النَّهرِ طيراً مُنشِدا. سأعودُ يوماً حينَ يغتسلُ الصباحُ
البكرُ في عينِ النَّدى.

قولوا لهُم
بينَ الحجارةِ عاشقٌ
عرِفَ اليقينَ على ضفافِ النيلِ يوماً فاهتدى وأحبَّهُ حتى تَلاشَى فيهِ
لم يعرِف لهذا الحبِّ عُمراً أو مدى.
فأحبَّهُ في كلِّ شئ ٍ
في ليالي الفرحِ في طعمِ الرَّدَى.
مَن كانَ مثلي لا يموتُ وإنْ تغيَّرَ حالُهُ
وبدا عليهِ. ما بدا.
بعضُ الحجارةِ كالشموس ِ
يَغيبُ حيناً ضوؤُها
حتى إذا سَقَطَت قِلاعُ الليلِ وانكسرَ الدُّجى
جاءَ الضياءُ مغرِّدا.
سيظلُّ شئٌ في ضميرِ الكونِ يُشعِرُني
بأنَّ الصُّبحَ آتٍ. أنَّ موعِدهُ غدا.
ليَعودَ فجرُ النيلِ من حيثُ ابتدا.
ليَعودَ فجرُ النيلِ من حيثُ ابتدا.

أضف تعليق