الصفحة الرئيسية

انجولا. وخطايا المسلمين 29/11/2013

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

انجولا. وخطايا المسلمين

بقلم:   فاروق جويدة

***************************************

فى الوقت الذى تشتعل فيه الصراعات والمعارك بين الحركات والتيارات الإسلامية فى بلاد المسلمين حيث يكفرون بعضهم بعضا. وفى الوقت الذى يسعى الغرب الى تقسيم المسلمين ما بين السنة والشيعة بما يهدد مستقبل العالم الإسلامى. وفى الوقت الذى يعانى فيه المسلمون ظروفا اقتصادية وانسانية صعبة امام نظم سياسية مستبدة وصراع سياسى بغيض يتستر وراء الدين وسط هذا كله خرجت علينا من وسط افريقيا القارة السوداء قلب العالم واقدم اراضيه صيحة عجيبة فى انجولا بحظر الدين الإسلامى بين مواطنيها، وتقوم الحكومة الأنجولية بهدم 60 مسجدا مرة واحدة ثم تمنع المسلمين من اقامة شعائرهم تحت دعوى محاربة التطرف الإسلامى. ولم يتردد رئيس انجولا سانتوس بأن يعلن نهاية النفوذ الإسلامى فى بلاده.
لا شك ان هذا الحدث الرهيب يمثل تحولا خطيرا فى التاريخ الإسلامى العقيدة والأثر والقيمة. قد يقول البعض ان الإسلام ليس فى حاجة الى 90 الف مسلم يعيشون فى انجولا بينما ينتشر فى ربوع الأرض اكثر من مليار ونصف المليار مسلم.
ولكن هذه الآلاف التى فرضت عليها السلطات فى انجولا ان تخرج عن دينها وتمنعها من ممارسة شعائره تمثل حدثا رهيبا فى تاريخ المسلمين يعيد الى الأذهان طردهم من الأندلس بعد قرون طويلة هناك غموض شديد يحيط بما يجرى للمسلمين فى انجولا هناك من ينفى ما حدث وهناك من يؤكده ولكن فى كل الحالات نحن امام واقع يفرض نفسه وهو ان المسلمين فى محنة وهم انفسهم يتحملون مسئوليتها.
قبل ان نتحدث عن نتائج هذا الموقف الغريب من الدولة الأفريقية يجب اولا ان نتوقف عند الأسباب التى شوهت صورة الإسلام امام العالم وما هى مسئولية المسلمين انفسهم عن ذلك.
– فى السنوات الماضية وامام سطوة الإعلام وجبروت وسائل الاتصال فى السرعة والتأثير وتغيير المفاهيم والثوابت تعرض الإسلام الدين والعقيدة لحملة شرسة فى الإعلام الغربى ابتداء بتنظيم القاعدة فى افغانستان وانتهاء بأحداث 11 سبتمبر وكيف استغلتها امريكا لاحتلال العراق وافغانستان وفرض سيطرتها على دولتين اسلاميتين فى قلب آسيا. ولم تكتف امريكا بذلك بل انها حاصرت ايران الدولة الشيعية وفرضت عليها عقوبات صارمة وشوهت صورتها امام العالم كله. كان الهدف من ذلك كله هو تغيير مفاهيم شعوب العالم عن الإسلام خاصة امام شواهد كثيرة كانت تؤكد ان الإسلام ينتشر فى العالم بصورة غير مسبوقة. وامام معركة الإعلام الغربى ضد الإسلام كانت هناك معركة اخرى قامت بها مؤسسات دولية كبرى دفعت بملايين المسلمين الى تغيير عقيدتهم والخروج من الإسلام امام إغراءات مادية رهيبة حتى ان بعض التقديرات تؤكد ان فى نيجيريا اكثر من 20 مليون مسلم غيروا عقيدتهم وهى اكبر دولة إسلامية فى افريقيا بجانب 20 مليونا آخرين تركوا الإسلام فى اندونيسيا واعتنقوا ديانات اخرى رغم ان اندونيسيا هى اكبر دولة إسلامية فى العالم.
– لم يكن الإعلام الغربى وسياسات دوله هى السبب الرئيسى الوحيد فى تراجع المد الإسلامى او تشويه صورته ولكن ساعد على ذلك نظم سياسية قمعية استخدمها الغرب لتحقيق اهدافه واستمرار سيطرته على هذه الدول. لقد استخدم الغرب الحكام المسلمين فى تحقيق مصالحه وساند نظما سياسية مارست كل الوان الاستبداد على شعوبها فنهبت ثرواته واستعبدت شعوبه واصبحت مجرد ادوات فى يد الغرب. وقد ترتب على ذلك سوء احوال الشعوب الإسلامية وتخلفها فى كل المجالات بحيث انقسم العالم الى قوى ضعيفة متهالكة يمثلها العالم الإسلامى وقوى أخرى صاعدة متطورة تمثلها العقائد الأخرى وكان من السهل امام هذا التناقض ان يلقى البعض مسئولية تخلف الشعوب الإسلامية على عقيدتها وليس على حكامها المستبدين، او الغرب بكراهيته الشديدة ومؤامراته المتعددة.
– امام ظروف الفقر والتخلف ظهرت امراض اجتماعية كثيرة فى العالم الإسلامى كان اخطرها الجهل والأمراض فتراجعت نظم التعليم وتخلفت اساليب الحياة بما فيها الصحة وانتشرت الأمية وتحولت هذه الأمراض الاجتماعية الى عوامل هدم فى مكونات وثوابت الشعوب الإسلامية وكان من السهل ان يلقى البعض مسئولية ذلك كله على الإسلام الدين والعقيدة والشرائع.
– امام الفقر سادت الصراعات بين ابناء الوطن الواحد وكانت النتيجة الهروب الواضح من روح العصر الى سراديب بعيدة من التدين الكاذب وهنا سيطرت لعنة الانقسامات بين الطوائف الدينية على المجتمعات الإسلامية وكان من السهل ان تنتشر امراض الفكر وتوابع التخلف بحيث خرجت بعض الفصائل الدينية التى ترفع راية الإسلام من العصر كله رافضة كل ما وصلت اليه الحضارة الإنسانية من مظاهر التقدم فى كل مجالات الحياة. وتحولت بعض المجتمعات الإسلامية الى حشود بشرية تتصارع فيما بينها حتى وصلت الى الصراعات الدينية والإنقسامات بين ابناء الوطن الواحد والدين الواحد.
– رغم كل مظاهر التخلف الاجتماعى والحضارى والفكرى التى اصابت المجتمعات الإسلامية فقد ظهرت نبوءات لدى رموز كثيرة ان المسلمين قادمون، ونبهت هذه النبواءات الى ان العالم الإسلامى قادر بتاريخه الحضارى على ان يستعيد امجاد الماضى وكان من اوائل من نبه الى ذلك الرئيس نيكسون صاحب فضيحة ووترجيت حين اصدر كتابه “انتهزوا الفرصة” وحذر فيه من ان الإسلام قادم بعد ان اختفى الاتحاد السوفيتى واكد انه لا يخاف من المد الأصفر الصينى لكنه يخشى المد الأخضر الإسلامى. هنا بدأت رحلة المؤامرات العالمية ضد الإسلام والمسلمين. صحيح انها بدأت بإقامة وطن لليهود فى فلسطين ولكن كانت هناك محاولات لتقطيع كل الجسور بين الدول الإسلامية فكان احتلال العراق. ثم افغانستان. ثم ما حدث فى اليمن والصومال والجزائر من صراعات عرقية حركتها اياد خفية لا شك ان دعوة الرئيس نيكسون وجدت استجابة لدى دائرة صنع القرار فى امريكا وهى ضرورة تفتيت العالم الإسلامى بحيث لا يجتمع على كلمة واحدة.
– على جانب آخر سعت قوى الشر الى اختراق التيارات والقوى الإسلامية وتسخيرها لتحقيق مصالحها او على الأقل بث الفتنة بين ابناء المجتمع الواحد كلنا ما زال يذكر ان تنظيم القاعدة قد نشأ فى احضان المخابرات الأمريكية وتحت رعاية البيت الأبيض ليواجه الاتحاد السوفيتى فى افغانستان وقد نجح فى ذلك حتى انتهى الأمر بسقوط الاتحاد السوفيتى. وقد تلقى تنظيم القاعدة دعما ماليا رهيبا من معظم الدول الإسلامية الغنية بإيعاز من امريكا بل ان اعضاء القاعدة الذين حاربوا فى افغانستان كانوا اساس التنظيمات الإرهابية التى ظهرت بعد ذلك فى العالم كله. وهنا تسربت اجهزة المخابرات الغربية الى الحركات الإسلامية فى دول العالم وحركتها حسب مصالحها واهوائها حتى تكشفت كل هذه الحقائق فى السنوات الماضية حين اتضح امام العالم ان الحركات الإسلامية لم تكن بالشفافية المطلوبة وانها خانت اوطانها حين استخدمتها قوى الشر لتحقيق مصالحها.
– تبدو الصورة امامنا الآن فى اسوأ مشاهدها حيث تجسدت صورة الصراع السياسى فى الدول الإسلامية بين جماعات دينية رفعت راية الإسلام وساءت علاقاتها بالمجتمع الإسلامى حتى تحولت الى حروب ومعارك وانقسامات داخلية وصلت الى الحروب الأهلية كما حدث فى العراق بعد احتلاله وكما حدث فى الصومال بين الطوائف الدينية والعرقية ثم كانت الجزائر وسنوات طويلة من الصراع الدامى بين الجيش وقوى الإرهاب. وازدادت الأزمة تعقيدا بعد ثورات الربيع العربى حيث قفزت التيارات الدينية على السلطة وحاولت فرض اشكال جديدة من الاستبداد باسم الدين فكانت تجربة الإخوان المسلمين فى مصر وتونس وكانت الحرب الأهلية فى سوريا وقبل ذلك كله كان انقسام الشعب الفلسطينى الى فصائل دينية امام العدو الإسرائيلى. ان الصراع السياسى فى معظم الدول الإسلامية قد حملت صورا كثيرة من التفكك والضياع امام تيارات دينية متصارعة ونخبة سياسية مفككة وواقع سياسى كريه.
– الخلاصة ان المسلمين يدفعون الآن ثمن اخطاء دينية وسياسية وحضارية وان حالة الانقسام والتمزق التى وصلت بالتيارات الإسلامية الى صراعات دامية تحولت الى اسوأ صور الإرهاب، وهذه الشواهد كلها انتهت بالشارع الإسلامى بشعوبه وتنظيماته وتياراته وقواه السياسية الى حالة من التفكك والترهل امام الفقر والجوع والتخلف. هنا يمكن ان يجد المسئولون فى انجولا او غيرها مبررا لإبعاد المسلمين عن مسيرتهم لأنهم لن يبنوا وطنا بالفتن والصراعات والحروب القبلية خاصة ان هذه الدول يحكمها نظام قبلى عتيق. ان هذه الدول تخشى على نفسها من حروب الانقسامات وقد عانت منها افريقيا زمنا طويلا وقد انتهت من هذه المراحل وبدأت تنظر لمستقبل آخر ابعد ما يكون عن الفتن والمعارك. ولآن المسلمين الأن يمثلون اسوأ حالات الانقسام بين شعوبهم ولأنهم استخدموا الدين السياسى وسيلة للوصول الى السلطة فخسروا الإثنين معا الدين والسياسة من اجل هذا قررت انجولا هدم المساجد وإيقاف الصلوات. وربما نجد على باب مسجد من هذه المساجد بيت الشعر الذى مازال مرسوما على اطلال مساجد الأندلس. تبكى بكاء النساء على ملك لم تحافظ عليه مثل الرجال.
على نخبة الإسلام السياسى ان تراجع تاريخها المعاصر فقد اساءت كثيرا لشعوبها واساءت اكثر لدينها حين تحولت الدعوة من السماحة الى الإرهاب وتحولت العقيدة من رسالة سماوية عظيمة الى احزاب وفصائل سياسية اغرقت نفسها وشعوبها فى بحار من الدم والفتن.
ان الإسلام برئ مما فعل ابناؤه ولكن الشىء المؤكد ان المسلمين هم الذين اساءوا لدينهم وهم الذين يدفعون الآن ثمن الإنقسامات والعنف والتطرف الذى اغرقهم فى مستنقعات الإرهاب.

********************************

 ويبقى الشعر: “أنشودة المغني القديم سنة 1990”

يَقـُولـُونَ: سافرْ.
وَجَرِّبْ وَحَاولْ
ففوقَ الرُّءوس. تـَدُورُ المعَاولْ
وَفي الأفـْق غـَيْمٌ. صُراخٌ. عَويلْ
وفِي الأرْض بُرْكانُ سُخْط طويلْ
وفوقَ الزُّهُور يَمُوتُ الجَمَالْ.
وتـَحْتَ السُّفوح. تئنُّ الجـِبَالْ
وَيخـْبُو مَعَ القهْر عَزْمُ الرِّجَالْ
ومَا زلتَ تحملُ سيفـًا عتيقـًا.
تصَارعُ بالحُلم. جيشَ الضَّلالْ
يَـقـُوُلونَ: سَافرْ.
فمهْما عَشِقـْتَ
نهاية عشقِكَ حُزنٌ ثقِيلْ
ستغـْدُو عَليْها زمَانـًا مُشَاعـًا
فـَحُلمُكَ بالصُّبح وهْمٌ جَميلْ
فكلُّ السَّواقِي التي أطرَبَتـْكَ
تـَلاشي غنـَاهَا
وكلُّ الأمَانِي التي أرَّقتـْكَ.
نسيتَ ضياهَا
ووجْهُ الحَياةِ القديمُ البريءْ
تكسَّر مِنـْك.
مَضَي. لن يجيءْ
يَقـُولـُونَ: سَافِرْ.
فـَمَهْمَا تـَمادَي بكَ العُمْرُ فيهَا
وَحَلقتَ بالنـَاس بَيْنَ الأملْ
سَتـُصْبُح يَومًا نـَشِيدًا قـَدِيمًا
وَيطـْويكَ بالصَّمْتِ كهْفُ الأجَلْ
زَمانـُكَ ولـَّي وأصْبَحْتَ ضيْفـًا
وَلـَنْ ينجبَ الزَّيفُ. إلا الدَّجَلْ.
يقولونَ سافرْ.
ولا يَعلمونْ
بأنيِّ أموتُ. وهُمْ يضحكوُنُ
فمازلتُ أسمَعُ عنـْك الحكايَا
ومَا أسْوأ الموْت بَيْنَ الظنونْ
وَيُخفيك عني ليلٌ طويل ٌ
أخبّئ وَجْهَك بينَ العُيونْ
وتـُعطينَ قلبَك للعَابثينَ
ويشْقـَى بصدِّك منْ يُخلصُونْ
وَيُقصيك عنِّي زمانٌ لقيط
ويهنأ بالوصْل. منْ يخدعُوْن
وأنثر عُمْري ذرَّاتِ ضَوْءٍ
وأسْكـُب دَمي. وَهمْ يسْكرُونْ
وأحْملُ عَينيكِ في كلِّ أرْض ٍ
وأغرسُ حلـْمي. وهَمْ يَسْرقونْ
تساوتْ لدْيكِ
دماء الشـَّهيدِ
وعطرُ الغواني
وكأسُ المجُون
فلا تتـْركي الفجْر للسَّارقينَ
فعارُ على النيل مَا يَفعلونْ
لأنكَ مَهْمَا تناءَيتِ عَنـِّي
وَهَانَ على القلبِ ما لا يهُونْ
وأصْبَحْتُ فيكِ المغنـِّي القديمَ
أطوفُ بلحْنِي. وَلا يَسمعُونْ
أموتُ عليك شهيدًا بعشْقي
وإنْ كانَ عشقي بعْض الجنـُونْ
فكلُّ البلادِ التي أسكرتني
أراهَا بقلـْبي.
تراتيلَ نيلْ
وكلُّ الجمَال الذي زارَ عيْني
وأرقَ عُمْري. ظلالُ النـَّخيلْ
وَكلُّ الأماني الـَّتي رَاوَدَتـْني
وأدمتْ معَ اليأس
قلبي العليلْ
رأيُتك فيها شبَابًا حزينـًا
تسابَيح شوْق ٍ. لعمر جميل
يقولـُون سَافرْ.
أمُوت عليْكِ. وقبلَ الرَّحيل
سأكتبُ سطرًا وحيدًا بدَمي
أحبكِ أنتِ.
زمانـًا منَ الحُلم. والمسْتحيـلْ

أضف تعليق