الصفحة الرئيسية

ثورتان. والشعب واحد 6/9/2013

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

ثورتان. والشعب واحد

بقلم:   فاروق جويدة

******************************

لم يكن المصريون فى حاجة الى انقسامات جديدة بعد ثورة يونيه كانت الأحداث التى مرت على مصر كافية لأن تفتت جموع هذا الشعب لكى يتحول الى شظايا متناثرة لم تمتد فقط فى الشوارع والميادين الكبرى فى المدن ولكنها تسللت الى القرى والنجوع حتى وصلت الى البيوت الطينية الصغيرة القابعة فى اعماق الريف المصرى العتيق. لم يكن من الصعب ان تتسلل الشظايا الى ابناء الأسرة الواحدة فيخرج الأبناء عن وصاية الآباء الى مكان مجهول تحت فتوى او شعار وتصر الزوجة على الطلاق لأن الداعية قال لها انت على حق وزوجك هو الباطل ويلقى الرجل اليمين على زوجته ويترك لها الأبناء ويرحل.
بعد ثورة يناير كانت مساحة الإنقسامات لا تتجاوز منطقة الثوار والفلول. كانت هذه هى بداية قصة الصراع بين نظام سقط ودولة جديدة تحاول ان ترسى قواعدها.
كان امرا مقبولا ان تكون هذه هى مساحة الخلافات امام نجوم تهاوت ونجوم اخرى صعدت ولا مانع ان يكون بينها صدام فى لحظة تغيير حادة.
كنا نتصور ان الوفاق سيكون يوما سيد الموقف والقرار وان درجة الخلاف مهما تمادت سوف تعود الى منطقة ما تتوافق فيها الآراء وتتوحد فيها الأهداف مادامت النوايا خالصة وطيبة.
حتى هذه اللحظة كانت الإنقسامات بين القوى السياسية والوطنية امرا عاديا حتى انطلقت معركة الصراعات حول الإعلان الدستورى والإنتخابات البرلمانية ثم الرئاسية. ثم ظهرت لأول مرة لعنة الإنقسامات الدينية التى حملتها الطوائف الدينية ما بين مؤمن وكافر وما بين شريعة وعلمانية وما بين الإخوان والسلفيين وجبهة الإنقاذ وزادت حدة المواجهة حتى وصلت الى طريق مسدود او بمعنى آخر انه لا حوار ولا مشاركة ولا وفاق.
كان من الضرورى ان تهتز اركان هذه المنظومة العشوائية وتتهاوى امام الجميع فى مشهد تاريخى امام الملايين الذين خرجوا يوم 30 يونيه يرفضون ما وصلت اليه احوال مصر على كل المستويات السياسية والإجتماعية والأمنية والإقتصادية.
كان من الصعب ان تبقى هذه المنظومة العشوائية التى فقدت كل مقوماتها ورغم هذا كانت تصر على البقاء حتى ولو كان ذلك على حساب استقرار الوطن وامنه وسلامته. هنا عادت موجات الإنقسام تجتاح حياة المصريين مرة اخرى ووجدنا انفسنا امام ثورتين. وامام اكثر من فصيل سياسى وبدأت رحلة الإتهامات تجتاح حياة المصريين مرة اخرى.
– بدأ البعض رحلة التشكيك فى ثورة يناير ابتداء بالشباب الذى شارك فيها وانتهاء بدماء الشهداء الذين سقطوا فداء لهذا الوطن. فى فترة ما لم يكن احد يجرؤ ان يشكك فى ثورة يناير او ان يهاجم رموزها وامتدت الإتهامات حتى وصلت الى مناطق العمالة والخيانة والمؤامرة. بقى الإنقسام حول ثورة يناير محل خلاف لأن الإخوان كانوا يرون ان ثورة يناير صناعة إخوانية رغم ان الحقيقة تقول غير ذلك. ولكن الإتهامات لحقت بالجميع واصبح من الضرورى إيهام الرأى العام بأن يناير أكذوبة كبرى ولم تكن ثورة شعب.
مع هذا الشكيك فى ثورة يناير كان التلويح بعودة مواكب الفلول وما بقى من النظام السابق الى الساحة مرة اخرى. وهنا ايضا خرجت اتهامات اخرى ان رموز الفلول دفعوا اموالا طائلة لتشويه ثورة يناير وان الإعلام الخاص لعب دورا كبيرا فى هذه المؤامرة. ومع الإتهامات التى لحقت بثورة يناير كانت الحشود التى خرجت فى 30 يونيه تدعى انها الثورة الحقيقية ووجد المصريون انفسهم امام ثورتين كل منهما تدعى انها ثورة الشعب الحقيقية وان ما دونها باطل. وحتى تكتمل الصورة خرج من يقول ان ثورة يناير عملية إخوانية وصلت بالإخوان الى السلطة وحكم مصر وان ثورة يونيه ثورة شعبية اعادت السلطة للشعب وكلا الرأيين خاطئ. لأن ثورة يناير قام بها شباب مصر قبل ان يدرك الإخوان حقيقتها ويشاركوا فيها ويقطفون ثمارها. اما ثورة يونيه فقد سلكت نفس طريق ثورة يناير واطاحت بالإخوان المسلمين وهنا لا بد ان نتذكر ان الإخوان كانوا الضلع الثانى لمنظومة الحكم فى مصر وكانوا يمثلون جناحا قويا مع الفلول فى حكم مصر قبل ثورة يناير. وما حدث فى الثورتين ان الشعب المصرى قرر ان يتخلص من الإثنين معا وان اختلف التوقيت والظروف والأحداث والأشخاص.
– ولم يكن غريبا ان يكون العامل المشترك بين الثورتين هو الشعب والجيش. ان الشعب كان صاحب الثورتين والجيش هو الذى قام بالحماية وفرض إرادة هذا الشعب. كان الجيش فى الثورة الأولى يرفض فكرة توريث حكم مصر ولهذا وقف مع الشعب ضد النظام. وكان الجيش نفسه ضد فكرة استبداد الدولة الإخوانية ولهذا وقف مع الشعب واسقط الإخوان وهذا يعنى انه لاخلاف على الإطلاق بين ثورة يناير وثورة يونيه لأنهما جسدتا الإرادة الشعبية فى ظل قناعة وحماية كاملة من الجيش. وهنا يصبح التراشق والإتهامات بين ثوار يناير وثوار يونيه جريمة كبرى ومغالطة خطيرة. ان ثوار يناير يرفضون تماما ثورة يونيه ويتهمون فلول النظام السابق بأنهما وراء ما حدث ولو ان النظام السابق كان قادرا على جمع هذه الحشود فهنيأً له الحكم مرة اخرى. اما ثوار يونيه فهم يعتقدون ان ثورة يناير كانت مؤامرة دولية شاركت فيها اطراف محلية. وإذا كانت المؤامرات قادرة على حشد هذه الجماهير بهذه الأعداد الرهيبة فلماذا لم يحدث ذلك منذ عشرات السنين التى مضت وامام حكم مستبد سيطر على إرادة الشعب ثلاثين عاما.
ان تصوير ما حدث فى مايو على اساس انه مؤامرة خارجية وتصوير ما حدث فى يونيه على انه مؤامرة من الفلول خيانة لدماء الشهداء واستخفاف بإرادة هذا الشعب وعلى السادة المنظرين من الانتهازيين وكذابى الزفة ان يتركوا للشعب قراره وإرادته لأن هذا الشعب هو الذى اسقط الحزب الوطنى وفلوله وهو الذى اطاح بالإخوان المسلمين وحشودهم. ان اخطر الظواهر فى هذه الإنقسامات بين الثورتين اننا بدأنا رحلة تتجاوز دائرة الإتهامات حتى وصلنا الى العمالة والخيانة وبيع الأوطان.
ان ثوار يناير فى قائمة الإتهامات الآن تلقوا اموالا من جهات اجنبية وتم تدريبهم فى مؤسسات خارجية وقد جمعوا اموالا طائلة من وراء ذلك كله.
ومن يقول هذه الإتهامات عليه ان يثبت الحقيقة امام القضاء وامام الشعب. يقولون هناك من تلقى اموالا من دول كثيرة ولا اعتقد ان إثبات ذلك سوف يكون امرا مستحيلا وعلى الجهات الأمنية ان تراجع الحسابات والممتلكات وتعلن للشعب الحقيقة. على جانب آخر هناك اتهامات لثوار يونيه ان فلول النظام السابق قدمت المال والتأييد واستخدمت الإعلام فى جمع الحشود وهذه اشياء لا يصعب رصدها ومعرفة حقيقتها.
فى كل يوم تطالعنا وسائل الإعلام بإتهامات لأشخاص لا نعرف إذا كانوا مدانين او ابرياء والكلمة ينبغى ان تكون للعدالة اما ان يتحول المصريون كل المصريين الى خونة وعملاء لجهات خارجية فهذا عار ما بعده عار.
– لا يعقل ان تكون نهاية الشعب المصرى العظيم مع حدثين من اهم اللحظات المضيئة فى تاريخه الحديث ان يكون مصيرهما اتهامات بالعمالة. لقد خرج المصريون بحشودهم التى اذهلت العالم عن إيمان حقيقى بحب هذا الوطن وحين يجئ النهر مندفعا شامخا فهو لا ينظر الى طحالب تسللت هنا او وقفت هناك. لقد خرج المصريون فى يناير ويونيه حشودا بالملايين كان بينهم الثوار وكان فيهم البلطجية ولكن الملايين كانت تنظر فقط لهدف عظيم وغاية سامية هى تحرير إرادة هذا الشعب.
– لا يعقل ان تلقى الإتهامات جزافا على شباب طاهر نقى تصدر المشهد ودفع حياته ثمنا لحرية هذا الشعب وهناك آلاف الأمهات الثكالى وآلاف الشباب الجرحى ولا ينبغى ان تكون الإدانة هى آخر المطاف. ان الشباب الذى نزل الى الشوارع يوم 25 يناير و30 يونيه لم يكن يدافع عن مكاسب او مصالح خاصة ولكنه كان يحلم بوطن اكثر إنسانية.
– إذا كانت لدى جهات الأمن والأجهزة الرقابية حقائق ثابتة تدين اشخاصا فلا ينبغى ان تكون سيفا مسلطا على رقاب الجميع وعلى هذه المؤسسات ان تقدم المدانين للمحاكمة العلنية حتى يأخذ كل شخص جزاؤه لأن الأحاديث الهولامية عن العمالة والخيانة لا تسئ لأصحابها فقط ولكنها تسئ لكل إنسان شارك فى هذه الصحوة وليس من المعقول ابدا ان نلقى التراب على كل شئ.
– هناك اشخاص يجيدون الوقيعة والصيد فى الماء العكر فلا هم شاركوا فى ثورة يناير ولا هم شاركوا فى ثورة يونيه ولم تكن لهم يوما مواقف غير رغبتهم فى تشويه صور الآخرين وهؤلاء ينبغى ان يخرجوا تماما من المشهد وعلى الإعلام ان ينقى صفحاته ويطهر نفسه من هذه الأوبئة البشرية.
ما حدث فى يناير ثورة عظيمة ضد الوطنى والفلول ونظام فاسد وما حدث فى يونيه ثورة عظيمة ضد الإخوان ودعاة التكفير ونظام مستبد احمق والثورة صنعتها إرادة شعب يحلم بحياة كريمة. ياعزيزى كلنا مصريون وطنيون مخلصون محبون لهذا الوطن وهذا التراب ومن العار ان تتحول اجمل اللحظات وانقاها فى حياتنا الى اتهامات ظالمة

****************************************************

 ويبقي الشعر. قصيدة وضاعت ملامح وجهي القديم سنة 1983

نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ.
ومازلتُ اسألُ: هل من دليلْ؟!
أحاولُ أن استعيدَ الزمانَ
وأذكر وجهى.
وسُمرة َجلدى.
شُحوبى القليل.
ظلالُ الدوائرِ ِفوق العيونْ
وفى الرأسٍ يعبثُ بعضُ الجنونْ
نسيتُ تقاطيعَ هذا الزمانْ
نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ.
عيونى تجمَّدَ فيها البريقْ.
دَمى كان بحراً.
تعثر كالحلمِ بين العروقْ.
فأصبح بئراً.
دمى صار بئراً
وأيامُ عمرى حطامٌ غريقْ.
فمى صار صمتًا. كلامى مُعادْ
وأصبح صوتى بقايا رمادْ
فما عدتُ انطقُ شيئاً جديداً
كتذكار صوت أتى من بعيدْ
وليس به اىُّ معنى جديدْ
فما عدتُ أسمع غيرَ الحكايا
وأشباحُ خوف برأسى تدورْ
وتصرخُ فى الناسِ
هل من دليلْ؟؟
نسيتُ ملامح وجهى القديم
لأنَّ الزمانَ طيورٌ جوارحْ
تموتُ العصافيرُ بين الجوانحْ
زمانٌ يعيش بزيف ِالكلامِ
وزيف ِالنقاءِ. وزيف المدائحْ
حطام ُالوجوه على كل شئٍ
وبين القلوب تدورُ المذابحْ
تعلمتُ فى الزيف ألا أبالى
تعلمتُ فى الخوفِ ألا اسامحْ
ومأساةُ عمرى. وجه قديمْ
نسيتُ ملامحَه من سنينْ
أطوفُ مع الليلِ وسط الشوارعْ
وأحملُ وحدى همومَ الحياهْ
أخاف فأجرى. وأجرى أخافُ
وألمحُ وجهى. كأنى أراهْ
وأصرخ ُفى الناسِ هل من دليلْ؟!
نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ
وقالوا.
وقالوا رأيناكَ يوماً هنا
قصيدةَ عشقٍ ٍهوتْ. لم تَتمْ
رأيناكَ حلماً بكهفٍ صغير
وحولكَ تجرى. بحارُ الالمْ
وقالوا رأيناكَ خلف َالزمانِ
دموعَ اغترابٍ. وذكرى ندمْ
وقالوا رأيناكَ بين الضحايا
رُفاتَ نبىًّ مضى. وابتسمْ
وقالوا سمعناكَ بعد الحياةِ
تُبشَّر فى الناسِ رغم العدَمْ
وقالوا. وقالوا. سمعتُ الكثيرْ
فأين الحقيقةُ فيما يقالْ؟
ويبقى السؤالْ.
نسيتُ ملامح وجهى القديمْ
ومازلتُ أسألُ. هل من دليلْ؟!
مضيتُ أُسائل نفسى كثيراً
تُرى أين وجهى. ؟!
وأحضرتُ لوناً وفرشاةً رسم ٍ.
ولحنا قديمْ
وعدتُ أُدندنُ مثل الصغارْ
تذكرتُ خَطـًا
تذكرتُ عينـًا
تذكرتُ أنفـًا
تذكرتُ فيه البريقَ الحزينْ
وظلٌّ يدارى شحوبَ الجبينْ
تجاعيدَ تزحفُ خلفَ السنينْ
تذكرتُ وجهىَ
كلَّ الملامح. كلًّ الخطوطْ
رسمتْ انحناءاتِ وجهى
شُعيرات ِرأسى على كل بابْ
رسمتُ الملامحَ فوق المآذِنِ.
فوق المفارقِ. بين الترابْ
ولاحت عيونىَ وسط السحابْ
واصبح وجهى على كلَّ شئ
رُسوماً. رُسومْ
ومازلتُ أرسمُ. أرسمُ. أرسمْ
ولكنَّ وجهى َما عاد وجهى.
وضاعت ملامحُ وجهى القديمْ.

أضف تعليق