الصفحة الرئيسية

قراءة فى مستقبل غامض 27/9/2013

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

قراءة فى مستقبل غامض

بقلم:   فاروق جويدة

******************************************

يحتاج الواقع المصرى الى قراءة موضوعية وامينة فى هذه الظروف الصعبة، ولا يعقل ابدا ان تظل مصر ما يقرب من ثلاثة اعوام حقلا للتجارب السياسية ما بين رحيل النظام السابق وحزبه الوطنى المنحل. وتجربة مع المجلس العسكرى بما كان لها وما كان عليها. ثم تجربة اخرى امتدت آثارها السيئة الى كل بيت فى مصر وهى الإخوان المسلمين ونحن الأن نعيش فى ظل تجربة لم تكتمل وعلينا ان نستعد لكى نواجه توابعها وعلينا ان ندرك من الآن ان هذه التجربة قد تكون الامتحان الأخير لنا لنخرج من عنق الزجاجة وننطلق الى آفاق جديدة أكثر استقرارا وامنا وكفاية ولم يعد من المقبول ان تتكرر الأخطاء او ان يضيع الهدف.
فى تجربتنا الحالية لا بد ان نعترف بأن الجيش المصرى تدخل فى الوقت المناسب ومنع كارثة تاريخية كان من الممكن ان تدفع بهذا الوطن الى مستقبل غامض ومجهول. وحين تتكشف الأوراق سوف يدرك المصريون ان عاما واحدا من حكم الإخوان قد دفع بالوطن كله الى محنة رهيبة فى كل جوانب الحياة ابتداء بالأمن القومى المصرى وانتهاء بالهوية المصرية التى طاردتها اشباح الانقسامات والعنف والدولة داخل الدولة وسيطرة جماعة على مصير شعب صاحب دور وتاريخ وحضارة. كان خروج الجيش لتأييد ثورة المصريين على جماعة الإخوان يوم 30 يونيو إنجازا تاريخيا بكل المقاييس.
على جانب آخر فقد تحمل جهاز الشرطة المصرى مسئوليته فى حماية امن مصر بكل التجرد والانتماء لهذا الوطن. ان شهداء الشرطة الذين قدموا دماءهم بكل السخاء كانوا وساما للشرطة المصرية. ومن اراد ان يعرف الحقيقة وسوف نعرفها يوما فعليه ان يراجع اعمال العنف والقتل والإرهاب والتخريب فى ربوع مصر طوال الشهور الماضية، وعليه ان يتابع ما جرى فى سيناء وهى معارك حربية حقيقية ضد عصابات الإرهاب التى ترفع رايات الإسلام، وعليه ان يتابع عمليات التشويه فى كل بلاد العالم التى قادتها زعامات الإخوان المسلمين وتنظيمهم الدولى ضد مصر على كل المستويات الشعبية والرسمية بما فى ذلك استدعاء الدول الأجنبية وقواتها العسكرية لدخول مصر وإنقاذ شعبها.
لأول مرة يشعر المصريون انهم امام دولة اخرى اقيمت على ارض الكنانة تحمل اسم دولة الإخوان انهم يستنجدون بقوات المارينز ضد المصريين ويدبرون المؤامرت مع جهات اجنبية للتدخل فى شئون مصر ابتداء بورثة الخلافة العثمانية وانتهاء بملايين النفط القطرى وقناة الجزيرة ودعم الإعلام الأمريكى المشبوه. ان الوجه القبيح الذى ظهرت به جماعة الإخوان وتنظيمها الدولى اسقط تماما كل مظاهر الانتماء والولاء لوطن عظيم اسمه مصر.
والآن نحن امام تجربة جديدة لا بد ان نضع لها من الضمانات والوسائل ما يمضى بها الى بر الأمان خاصة بعد ان ثبت لنا ان الأعداء فى البيت وخارج البيت وان الأحداث الأخيرة قد كشفت للمصريين حقيقة المؤامرات التى تدبر لهم فى اكثر من مكان واكثر من دولة، وهنا يجب ان نتوقف عند بعض الجوانب:
لا يمكن ان نلقى المسئولية كاملة كشعب ونخبة وجماهير على الجيش المصرى خاصة ما يتعلق بالمستقبل السياسى للدولة إذا كنا بالفعل نسعى الى بناء دولة ديمقراطية تؤمن بالحريات وحقوق الإنسان. ان الجيش استطاع بدعم شعبى ان يتصدى لمؤامرة كبرى ضد مصر. وسوف تكشف الأيام ابعاد هذه المؤامرة حين تستقر الأحوال وتهدأ العواصف ولكن هذا الشعب الذى فرط فى مسئولياته وتخلى عن دوره فى حماية ثورته الأولى فى 25 يناير لا ينبغى ان يفرط مرة اخرى فى ثورته الثانية 30 يونيو. لقد وقع المصريون فى خديعة كبرى حين سلموا امرهم للإخوان المسلمون ما بين الاستفتاءات والانتخابات والأكاذيب التى ارتدت عباءة الدين وعليهم الآن ان يستردوا إرادتهم وقرارهم. لقد ادى الجيش المصرى دوره فى حماية ثورتين ووافق الشعب فى قراره بخلع رئيسين وعلى جماهير هذا الشعب ان تقوم وتحمى مستقبلها ومصيرها.
انا لا اتصور ان تبقى النخبة المصرية فى حالة الضعف والهزال النفسى والفكرى التى تعيشها الأن وعليها الآن ان تأخذ مواقعها لحماية حق هذا الشعب فى حياة كريمة. لقد خذلت النخبة الملايين التى خرجت فى ثورة يناير وفرطت فى دماء الشهداء بل انها استسلمت فى مشهد بغيض لحشود الإخوان المسلمين اما خوفا او تواطئا او ثقة فى غير مكانها. على هذه النخبة ان تدرك الآن ان ثورة يونيو لن تكون الأخيرة اذا استمرت حالة الضعف والترهل التى اصابت عقل مصر واصبح يسبح فى هذا الفراغ. هنا ينبغى ان يعاد النظر فى منظومة الأحزاب السياسية وسوف نجد انفسنا مرة اخرى امام قوى سياسية فاسدة كبرت وترعرعت فى ظل نظم قمعية فى عهد الوطنى حينا ثم الإخوان فى حين آخر. نحن امام فرصة تاريخية لخلع جذور الاستبداد بكل مظاهره ولن يتم ذلك إلا من خلال منظومة حزبية جديدة تستلهم من ثورة يناير ويونيو افكارها وبرامجها ونبض شبابها. ان فى مصر الآن 90 حزبا لا احد يعلم عنهم شيئا ومن العار والعبث ان تدور بنا الدائرة ليجد الشارع المصرى نفسه مخيرا بين الوطنى والإخوان مرة اخرى وهناك من يمد يديه للخارج ويطلب الدعم من هنا او هناك. وإذا حملت المؤشرات هذا الواقع فلا لوم علينا إذا طالبنا بتأجيل التجربة الحزبية حتى إشعار آخر وحتى تفيق النخبة المصرية من ثباتها العميق.
– لا اعتقد ان الإخوان المسلمين سوف يعترفون بالهزيمة ولكن المؤكد انهم يدركون حجم الخسائر التى لحقت بهم وهم يدركون ايضا انهم يتحملون مسئولية فشلهم فى إدارة شئون مصر ولكن هذا كله لا يعنى خروجهم من الساحة. لابد ان نعترف بأن الشارع المصرى تغير كثيرا فى نظرته وتعاطفه مع الإخوان ولم تعد لديهم القدرة على استخدام فزاعة الحشود ضد السلطة او ضد الشعب ولكن حالة الضعف التى يمر بها الإخوان لن تمنعهم من استخدام كل الوسائل لإستعادة نفوذهم وسوف يكون الخطأ الأكبر ان تستمر اعمال العنف او يلجأوا الى الأنشطة والأعمال السرية التى اعتادوا عليها او يحاولوا استقطاب التيارات الإسلامية الأخرى والتخفى وراءها. لقد تصدى المصريون للإخوان رافضين اسلوبهم فى الحكم وطريقتهم فى العمل السياسى واستغلالهم للدين وقبل ذلك كله اختيارهم للعنف ليس فى مواجهة السلطة فقط ولكن للأسف الشديد فى مواجهة الشعب وهذا خطأهم التاريخى.
ان الملايين التى خرجت يوم 30 يونيو ترفض حكم الإخوان عليها الأن ان تحشد جموعها فى تجربة حزبية جديدة لبناء واقع سياسى جديد. إن غياب الإخوان عن الساحة سوف يترك فراغا وإذا لم تشارك جماهير الشعب فى ملء هذا الفراغ فسوف يبحث عن اى شئ يملؤه ان البيوت الخالية تسكنها الخفافيش والعقول الفارغة تملؤها الخزعبلات
– نأتى هنا الى نقطة هامة وهى الاستعدادات التى تجرى لإتمام المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة للشعب فى ظل رئيس منتخب وبرلمان حقيقى وعلاقة صحية بين مؤسسات الدولة وذلك كله فى ظل دستور يحفظ حقوق الشعب ويصون كرامته.
وإذا كان دستور 2012 قد شهد مناطق خلاف كثيرة لأنه حمل فكر الإخوان فلا ينبغى ان يحمل الدستور الجديد فكر جماعة اخرى وينبغى ان يكون دستورا للجميع.
هنا ينبغى ان نتوقف عند ثلاثية لا ينبغى ان نختلف عليها. نريد فى الدستور الجديد رئيسا إنسانا يمكن ان يحاسبه الشعب وليس رئيسا نصف إله فوق كل حساب. وهنا ينبغى ان تكون هناك مسئوليات واضحة ومحددة لمهام رئيس الدولة بحيث لا نترك له الحبل على الغارب فى كل شئون الدولة ابتداء بقرارات العفو عن القتلة والمجرمين وانتهاء بتوقيع اتفاقيات غامضة تهدد امن البلاد واستقرارها.
وفى ظل هذا يجب ان تكون العلاقات واضحة بين مؤسسات الدولة بما فى ذلك اختصاصات رئيس الحكومة وعلاقته برئيس الدولة فى ظل منظومة تحمى هيبة الطرفين مع تأكيد واضح على سلطة البرلمان كإرادة شعبية لها كل الحقوق فى حماية مصالح الشعب ومحاسبة الرئيس والحكومة.
هذه الثلاثية الرئيس والحكومة والبرلمان شهدت لغطا كثيرا فى تاريخ مصر لأن الخطوط لم تكن واضحة والمسئوليات كانت غامضة ولهذا زادت مساحات التداخل فى الاختصاصات حتى تاهت الحقوق والواجبات وفتحت الباب واسعا للاستبداد والقهر وامتهان حقوق الشعب.
تبقى بعد ذلك ثلاثية اخرى من واجب حكومة د. الببلاوى ان توليها اهتماما خاصا وان تنسى انها حكومة انتقالية لأن الأزمات لا تنتظر كثيرا امام مكاتب المسئولين.
ان ازمة الشارع المصرى الآن هى الأمن وقد استردت الشرطة المصرية عافيتها بدعم كبير من الجيش ولكن علينا ان ننتظر او نتوقع بعض مظاهر الخروج على القانون إذا استمر الإخوان فى استخدام العنف وقد يرجع بنا ذلك الى سنوات سابقة وان كنت اتمنى الا يدخلوا هذا السرداب المظلم تصفية للحسابات او استعادة النفوذ.
اما الأزمة الثانية من هذه الثلاثية فهى حشود الفقراء ومن هؤلاء الملايين الذين خرجوا فى ثورة يناير ثم خرجوا فى ثورة يونيو ورغم قيام ثورتين ورحيل رئيسين فلم يتغير شئ فى حياتهم وإذا كانوا قد تعاملوا مع الشعب والثورة والسلطة بكل مشاعر النبل والترفع فلا ينبغى ابدا ان نسئ فهم رسالتهم وصبرهم علينا.
اما الأزمة الثالثة فهى عقل مصر الذى يحتاج الى صحوة حقيقية فقد شهد كل امراض التخلف العقلى والفكرى والوجدانى وعلينا ان نعيد له وعيه القديم وثقافته العريقة وإيمانه المتسامح وهذا يحتاج الى زمن اطول وإمكانيات اوسع ولكن ينبغى ان نبدأ من الأمس وليس اليوم وهذا يحتاج الى ثورات ثلاث فى التعليم والثقافة والإعلام وهى ثلاثية التخلف والعقم التى اصابت اعظم ما يملك هذا الشعب وهى عقله

 ويبقى الشعر. “قصيدة لكل عمر مرايا سنة2003 “

لماذا استكنتْ.
وأرضعتـَنا الخوفَ عمرًا طويلا
وعلمتـَنا الصمتَ. والمستحيلْ.
وأصبحتَ تهرَبُ خلف السنين ِ
تجيءُ وتغدوُ. كطيف هزيلْ
لما استكنتْ؟
وقد كنتَ فينا شموخَ الليالي
وكنتَ عطاءَ الزمان ِ البخيلْ
تكسَّرتَ منـَّا وكم من زمان
على راحتيكَ تكسَّر يومًا.
ليبقى شموخُك فوق الزمانْ
فكيف ارتضيتَ كهوفَ الهوانْ.
لقد كنتَ تأتي
وتحمل شيئـًا حبيبًا علينا
يُغيِّر طعمَ الزمان ِ الرديءْ.
فينسابُ في الأفق فجرٌ مضيءْ.
وتبدو السماءُ بثوبٍ جديدْ
تـُعانق أرضًا طواها الجفافُ
فيكـُبر كالضوءِ ثديُ الحياةِ
ويصرخ فيها نشيدُ البكارةِ
يَصدح في الصمتِ صوتُ الوليدْ
لقد كنتَ تأتي
ونشربُ منكَ كؤوسَ الشموخ ِ
فنعلـُو. ونعلـُو.
ونرفعُ كالشمس ِ هاماتِنا
وتسري مع النور أحلامُنا
فهل قيدوكَ. كما قيدونا.؟!
وهل أسكتوكَ. كما أسكتونا؟
دمائيَ منكَ.
ومنذ استكنتَ رأيتُ دمائيَ
بين العروق تـَميعُ. تـَميعُ
وتصبحُ شيئـًا غريبًا عليّا
فليست دماءً. ولا هي ماءٌ. ولا هي طينْ
لقد علـَّمونا ونحن الصغارْ
بأن دماءكَ لا تستكينْ
وراح الزمانُ. وجاء الزمانُ
وسيفكَ فوقَ رقابِ السنينْ
فكيف استكنتَ.
وكيف لمثلك أن يستكينْ
على وجنتيْكَ بقايا همومْ.
وفي مقلتيكَ انهيارٌ وخوفْ
لماذا تخافْ؟
لقد كنتَ يومًا تـُخيفُ الملوكَ
فخافوا شموخكَ
خافوا جنونَـكَ
كان الأمانُ بأن يَعبدوكْ
وراح الملوكُ وجاء الملوكْ
وما زلتَ أنت مليكَ الملوكْ
ولن يخلعوكْ.
فهل قيدوكَ لينهار فينا
زمانُ الشموخْ؟
وعلمنا القيدُ صمتَ الهوان ِ
فصرنا عبيدًا. كما اسْـتعبدوكْ
تعال لنُحي الربيعَ القديمَ.
وطهرْ بمائكَ وجهي القبيحْ
وكسِّرْ قيودَكَ. كسِّرْ قيودي
شرُّ البليِّة عمرٌ كسيحْ
وهيَّا لنغرسَ عمرًا جديدًا
لينبت في القـُبح وجهٌ جميلْ
فمنذ استكنتَ. ومنذ استكنـَّا
وعنوانُ بيتي شموخٌ ذليلْ
تعالَ نعيد الشموخ القديمَ
فلا أنا مصرُ. ولا أنتَ نيلْ

 

أضف تعليق