الصفحة الرئيسية

لقاء مع الرئيـس عدلى منصور

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

ما بين قاض يبحث عن الحقيقة ليصدر أحكاما وشاعر يطارد حلما لعله يصبح حقيقة كانت هذه هى الفرصة التي اتاحها لى مشكورا المستشار الجليل عدلى منصور رئيس الجمهورية ان نجلس معا نستعرض هموم وطن وأحلام شعب ومستقبل جيل ينتظر الكثير بعد ثورتين اهتزت بهما اركان ومسلمات كثيرة.
قليلة تلك الشخصيات التى تمنحنا اليقين والأمل حين تحاصرنا سحابات الإحباط واليأس ولأن الظروف غاية في الصعوبة ولأن الأعباء ثقيلة جدا. ولأن المسئولية في هذه الأيام عبء لا يتحمله إلا أولى العزم من البشر وجدت نفسى اجلس مع المستشار عدلى منصور رئيس الجمهورية في لقاء ممتع كانت مصر هى الحديث والمستقبل هو ا. لهدف لم نحاول ان نسترجع الكثير مما مضى ولكن مصر الجديدة بقيت هى الحلم والغاية.
لا اعتقد ان ما دار يدخل في نطاق الحوارات الصحفية، ولكنه كان خواطر ومشاعر متبادلة حول وطن نحبه جميعا ونشعر انه يواجه اختبارا صعبا ومحنة قاسية. المستشار منصور يمنحك الكثير من الثقة وأنت تتحدث معه لا اعتقد ان المنصب غير فيه شيئا فمازال هو القاضى الذى يدرك قيمة المكان والمكانة، وهو مواطن مصرى بسيط عاش احلامها وذاق مرارة انكساراتها ورغم ان القضاء يفرض الأحكام والحقائق إلا انه رجل لديه مساحة شاسعة من الخيال ربما عاش تجربة حكم قاسية في ظرف تاريخي صعب إلا انه يملك قدرة فريدة على فتح ابواب الأمل.
– كانت اول كلماته انا متفائل جدا بمستقبل مصر وأقول هذا من موقع المسئولية والأمانة والإحاطة بكل صغيرة وكبيرة حول ما يجرى في مصر الآن. هناك اشياء كثيرة واقعية وملموسة تمنحنى هذا اليقين بأن مصر سوف تتجاوز هذه المحنة وسوف تعود مصر التى عشناها وأحببناها وشعرنا بالفخر دائما بانتمائنا إليها. من يشاهد مصر في شهر يوليو الماضي وما واجهته من الظروف الصعبة يشعر أننا حققنا بفضل الله معجزة حقيقية.
أقول لك بكل الثقة بعد شهرين ونصف الشهر من الأن سيكون لمصر رئيس منتخب وسوف اسلم له سلطة القرار وسوف تدور عجلة الحياة وتعود السياحة ويعود الاستثمار وأيضا سيعود الاستقرار لأن الشعب المصرى دفع فاتورة باهظة إمام الفوضى واختلال منظومة الأمن. لا اعتقد ان اى كرسى او منصب في هذا العالم يجعل الإنسان يفرط في أمن وطنه اننى اتعجب كثيرا كيف وصلت درجة الحقد والكراهية الى تدمير وطن من اجل منصب مهما علا قدره. ان مصر وطن يستحق منا ان نحميه وان نتفانى في حبه فلا مثيل له في كل بلاد الدنيا. ورغم الظروف الصعبة فإن احوالنا افضل الآن في كل المجالات. الأمن اكثر استقرارا والاقتصاد مع دعم الأشقاء في الدول العربية السعودية والإمارات والكويت في وضع افضل وان كان لدى عتاب على اثرياء مصر لأنهم لم يقفوا معها ومع شعبها كما ينبغى في هذه الظروف الصعبة باستثناء عدد قليل من الأفراد وانا اطالب اثرياء مصر بإعادة حساباتهم مع انفسهم لأن مصر قدمت لنا الكثير وكلنا مدين لها وانا على يقين ان القادرين من ابناء مصر سوف يكونون على مستوى الولاء والمسئولية في الفترة المقبلة.
– تحدثنا كثيرا عن التحولات السلبية في الشخصية المصرية وما حدث لها من تشوهات وكان السؤال كيف وصلت بنا الأحوال الى هذه الصورة هذا العنف من طلاب الجامعات هذا الخلل في منظومة العمل والإنتاج هذه الجرائم التى لم نسمع عنها يوما اين احترام الأجيال لبعضها اين دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة. كيف اجتاحت هذه الأفكار الهدامة عقول شبابنا. هناك شئ يؤرقنى كثيرا هكذا اكد المستشار عدلى منصور وهو يتحدث عن مستقبل شباب الإخوان المسلمين لأنهم ابناؤنا وقطعة عزيزة منا وقد اجتمعت بعدد من رموز الإخوان الذين تركوا الجماعة وطلبت منهم ضرورة ان نحتوى هؤلاء الشباب وان نرشد فكرهم ونغرس فيهم الانتماء الحقيقى للوطن لأننا جميعا مسلمون ونقيم شعائر ديننا ونحترم مقدساته وثوابته ولكن القتل والعنف والجرى وراء السلطة ليس من الإسلام في شئ. ان انقاذ شباب الإخوان من الشطط الفكرى والدينى مسئوليتنا جميعا شعبا وحكومة.
هنا ايضا يأتى دور الأزهر الشريف بتاريخه وعلمائه ودوره في ترشيد الخطاب الدينى وهذه معركة فكرية ضخمة يجب ان نتصدى لها جميعا علماء الدين والمثقفون والمفكرون باختلاف توجهاتهم
– وماذا عن إعادة تأهيل الشخصية المصرية بعد هذا الكم الهائل من التشوهات.
– ما يحدث في الشوارع لا يمثل مصر ولا المصريين وما يحدث بين النخبة بكل طوائفها في لغة الحوار والفنون والعلاقات الإنسانية اشياء كثيرة تغيرت في حياتنا وتحتاج الى دراسة ووعى وترشيد. ان الإعلام المصرى يحتاج الى صحوة حقيقية وان يكون اكثر حرصا على مصداقيتة ولغة الحوار فيه. ويؤلمنى كثيرا بعض ما يحدث في مناظرات اهل العدالة. ان النخبة في حاجة للغة جديدة في السلوك والحوار والمراجعة
ان اخطر ما يدور في ذهنى بعد ان تستقر الأحوال وتستعيد مصر استقرارها كيف نواجه السلبيات التى غيرت الشخصية المصرية وما هو دور الثقافة والتعليم والإعلام في ذلك كله. وما هى مسئولية الأسرة المصرية التى غاب دورها تماما وكيف نعالج حالة الإنقسام بين فئات المجتمع حتى وصلت بنا الى هذه الدرجة من الكراهية بين ابناء الوطن الواحد. هذه القضية تحتاج الى دراسات اجتماعية ونفسية يشارك فيها العلماء والمتخصصون وأصحاب الخبرات. بعد ان نبدأ رحلة البناء علينا اولا ان نعيد الشخصية المصرية الى مسارها الجميل. اين السينما المصرية ودروسها الأخلاقية في السلوك واللغة والحوار. اين الغناء المصرى الراقى اين رموز الثقافة والفكر في بلادنا هذه هى ثروتنا الحقيقية والقوة الناعمة هى سر تفوق هذا الشعب ولا بد ان نستعيد هذا الدور ونسترد هذه المكانة مهما كان ثمن ذلك.
لقد جئت الى هذا المنصب الرفيع بالمصادفة وانا اقدر قيمته ومسئولياته واقسم لك بالله ان ليال طويلة مرت على دون ان تغمض عينى والأزمات تحاصرنا من كل جانب ولكن الحمد لله اننا تجاوزنا ذلك كله ووضعنا اقدامنا على المسار الصحيح
– وماذا عن قانون الانتخابات واللجنة العليا ودورها وقضية التحصينات التى دار حولها جدل كبير.
– اريد ان اؤكد لك اننى رجل قانون ولا يمكن ان اقبل او اشارك في اى تجاوز يمس قدسية الدستور وثوابته. نحن امام فريقين الأول يريد ان يفتح باب الطعون الى ابعد مدى بما يهدد الاستقرار في مصر ولا يعقل ان نقضى اكثر من ستة شهور ونصف الشهر بين المحاكم والطعون لأن اوضاع البلد لا تحتمل ذلك. في الدستور منطقة تخص بموادها وترتيباتها المرحلة الانتقالية التى نعيشها الآن ولها ما يحددها في الدستور اما المواد العامة التى تحكم الواقع السياسى بعد تجاوز هذه المرحلة فهى منطقة اخرى في مواد الدستور. نحن نطبق القواعد الخاصة بالمرحلة الانتقالية وليس القواعد العامة ووضعنا من الضوابط ما يضمن نزاهة الانتخابات والطعون كما جاءت في الدستور. ان المواد الخاصة بالمرحلة الانتقالية تشمل تشكيل اللجنة العليا للانتخابات ومسئوليتها في الإشراف على الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية ان فتح ابواب الخلافات الفقهية والدستورية بهذه الصورة سيكون على حساب استقرار هذا البلد والخروج به من عنق الزجاجة. قضية الطعون قضية محسومة فيما يخص المرحلة الانتقالية وهى جزء منها ولا داعى للخلافات بين الفقهاء حول هذه القضية.
– قبل ان نلتقى اليوم كنت حريصا على تكريم د. حازم الببلاوى وعدد من الوزراء في حكومته وهذا واجبنا وحق لهذا الرجل الذى قدم كل ما عنده في ظروف صعبة ولو جاء في وقت آخر وزمان آخر وظروف افضل لكان له شأن آخر. ولكننى كنت حريصا على تأكيد قيمة عظيمة ان مصر لا تنسى عطاء ابنائها وقد قبل الببلاوى المنصب في ظرف تاريخى صعب جعل الكثيرين يرفضون ذلك. لابد ان نحفظ اقدار الرجال.
كانت فترة عصيبة عشناها معا احكى لك سرا كنا نجلس في المحكمة الدستورية العليا يوم 29 يونيه ونتساءل هل يمكن ان تخرج مصر من هذه المحنة وهل تنجح حركة تمرد في تغيير هذا الواقع وفوجئت في اليوم التالى بهذه الملايين التى خرجت لاسترداد مصر. انا شخصيا فوجئت بأن الإخوان المسلمين لم تكن لديهم الخبرات والقدرات التى تستطيع إدارة شئون دولة في حجم مصر واكتشفنا اننا عشنا وهما كبيرا حين تصورنا ان في صفوف الإخوان قدرات ومواهب قادرة على الإنجاز وتحمل المسئولية. ولكنهم خيبوا ظننا في التجربة كلها.
– قلت: وماذا عن الجيش وهل يرضيك ما يقال عن عسكرة مصر والشظايا التى تنطلق احيانا وتسئ له؟
الجيش مؤسسة مصرية وطنية عريقة تدرك مسئوليتها ودورها وهى التى وفرت للشعب كل مصادر الحماية في ثورة يناير بعد الضربات المتلاحقة التى تعرضت لها اجهزة الأمن. الجيش المصرى هو المؤسسة الوحيدة التى اصرت على حماية الثورتين في يناير ويونيه وليس من الوطنية ان نفرق بين الشعب وجيشه. لقد حاول الإخوان اقتحام القضاء والإعلام والشرطة وفشلوا في ذلك واستعصى عليهم الاقتراب من الجيش وكان هدفهم لو طال بهم الزمن قليلا ان يخضعوا كل اجهزة الدولة لهذا المخطط الرهيب ولكن إرادة الله كانت الأقدر. ان ما حدث في 30 يونيه معجزة إلهية بكل المقاييس. كان من الممكن ان تدخل مصر في صراعات دموية تصل بنا الى حرب اهلية لولا حماية الجيش والشرطة وكلاهما ادى دورا تاريخيا في حماية مصر وكنت دائما اخشى مع زيادة حدة الرفض الشعبى للإخوان ان تحدث مواجهات ولكن وعى الشعب وحماية الجيش والشرطة وفرت على مصر تجربة قاسية كان يمكن ان تدمر كل شئ.
– وكيف ترى مصر المستقبل في ظل هذا التفاؤل.
علينا الأن ان نستعد لمرحلة جديدة سوف اسلم فيها المسئولية الى الرئيس الجديد الذى يختاره الشعب وعلينا بعد ذلك ان نعيد ترتيب البيت. وينبغى ان نبدأ بالإنسان المصرى لأنه الجواد الرابح ولأنه السر في عبقرية هذا الوطن كما اشار اليها جمال حمدان. لدينا موقع رهيب. وموارد ضخمة وإنسان مبدع طوال تاريخه. ينبغى ان نبدأ بالاقتصاد لأنه عنق الزجاجة وسوف نحتاج الى الجهد والعمل والإنتاج وينبغى ان نحرص على تحقيق العدالة في توزيع موارد الدولة وعلى اغنياء مصر ان يقفوا مع شعبهم لأنه صاحب الفضل في كل ما وصلوا اليه. وينبغى ان نهتم بشباب مصر ونعيد تشكيل عقله وفكره ولهذا فإن امامنا معركة فكرية نواجه فيها اشباح التخلف والعنف والإرهاب. يجب ان تدرك الأجيال الجديدة قيمة هذا الوطن الذى كان دائما مركز اشعاع وحضارة
عندى يقين ان مصر سوف تستعيد شبابها في سنوات قليلة وتسترد مكانتها بما يتناسب مع قدرات شعبها ومكانته ودوره التاريخى والحضارى.
– صافحت المستشار الجليل عدلى منصور شاكرا له هذه اللحظات التى منحنى فيها الكثير من الأمل في المستقبل، وكنت حريصا ان انقل لكم ما دار بيننا وهو لم يكن حوارا ولكنه كان مناجاة في حب الوطن في حب مصر.
– استطاع المستشار عدلى منصور ان يسطر اسمه في تاريخ هذا الوطن بكل الشرف والانتماء والأصالة خلال فترة قصيرة وعصيبة ولن يكون مجرد رئيس عابر بل سيبقى في ذاكرة مصر واحدا من ابنائها الأوفياء الذين تحملوا المسئولية في لحظة فارقة بكل الشرف والنزاهة

أضف تعليق