الصفحة الرئيسية

متى يعود المصريون يدا واحدة؟!

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

مازال الشارع المصرى رغم مرور ثلاث سنوات على الثورة يقف حائرًا فى المربع رقم 1، حيث الانقسامات الحادة بين القوى السياسية التى مازالت تعيش حالة من الصراع لا أحد يعرف متى تنتهى وكيف. الشارع المصرى يقترب من الانتخابات الرئاسية ولم يتغير فيه شىء فما زالت القوى السياسية تعانى حالة من الضعف والتشرذم تشبه تماما ما حدث فى الانتخابات السابقة. قد تكون رموز الحزب الوطنى المنحل هى الكتلة الوحيدة التى استعادت شيئا من تماسكها فى حين وقعت جبهة الانقاذ فى حالة انقسام تهدد وجودها بالكامل بينما تقف فصائل الشباب فى حالة تردد وارتباك فلا شىء يجمع بينها الآن غير سؤال عن الثوار الحقيقيين، وهل هم حشود يناير أم حشود يونيو أم أن الاثنين سقطا فى لعبة الصراعات والانقسامات وخسرا كل شىء.
أن أخطر ما يهدد الشارع المصرى الآن أننا ندخل الانتخابات الرئاسية والقوى السياسية مازالت تحشد نفسها لمواجهة جديدة لتصفية بعضها البعض وليس لبناء وطن جديد.
– مازال الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية حتى وإن انقسمت على نفسها يواجهون مصيرًا مجهولا أمام اتساع العمليات الإرهابية والكراهية الشديدة التى تولدت فى نفوس المواطنين أمام الوجه القبيح الذى ظهر فى حشود الإخوان واعتداءاتهم على المواطنين سواء كان ذلك بأيديهم أم بأيدأخرى تسللت عبر الحدود لدعم قوى الإرهاب والاعتداء على حياة المصريين. سوف يكون من الصعب جدا على التيارات الإسلامية سواء كانت اخوانية أوسلفية أن تحقق شيئا من انجازاتها السابقة حين أطاحت بالقوى الأخرى وانفردت بالساحة السياسية.
– هناك من يتصور أن الحزب الوطنى المنحل سيكون الجواد الرابح فى الانتخابات القادمة وأنه قادر على أن يسترد نفوذه فى ظل تراجع شعبية الإخوان والقوى الإسلامية وتكاسل النخبة وهو يعتقد أنه كان سببا أساسيا فى خلع الاخوان من الحكم. إن البعض يرى أن عودة الحزب الوطنى للشارع المصرى يعنى عودة النظام الأسبق ورموزه وينسى هؤلاء أن المصريين تغيروا وأنهم خلعوا رئيسين وأطاحوا بأكبر القوى السياسية فى أقل من عامين، وأن عودة الوطنى إلى الساحة السياسية تبدو مستحيلة وأن الإخوان خسروا كل شىء وان الشارع المصرى ينتظر وجوها جديدة وعهدا جديدا لا وجود فيه لمن سرقوا أموال الشعب واستباحوا حريته وأحلامه.
– يقف الشباب المصرى وهو يشكل أكثر من 60% من جموع الشعب متحديا الأجيال القديمة وهو يعتقد أن هذه الأجيال سرقت منه ثورته وفى هذه النقطة يمكن أن تجد إجماعا من الشباب رغم الخلافات الفكرية والأيديولوجية. لقد خدع قادة الاخوان شباب هذه الأمة بمن فيهم شباب الاخوان أنفسهم حين رفضوا تقديم اى شىء من انجازات ثورة يناير. ولاشك أن الشباب الآن يقف بعيدا عن القوى السياسية التقليدية لأنه يعتقد أن الأجيال القديمة لا تريد أن تترك شيئا لهذه الأجيال. لقد وقع شباب الأخوان فريسة عقول متحجرة وقيادات فاشلة وأفكارا هدامة تحولت فى أخر المشوار إلى قوى إرهابية تحارب المجتمع ولا أعتقد أن شباب الحزب الوطنى لديه القناعة لأن يعيد الرموز السابقة إلى الساحة السياسية بعد خلع نظام فاسد ظل جاسما على الجميع ثلاثين عاما.
إن شباب مصر يقف الآن فى خندق بعيد عن تلك الأجيال التى وصلت بمصر إلى هذه الحالة من التفكك والانهيار. ورغم كل ما يبدو من مظاهر الانقسامات بين الشباب إلا أن هناك أشياء توحدهم وهى إصرار الأجيال القديمة على استمرار منظومة الفساد حتى وإن تخفت أحيانا بأثواب الوطنية أو لبست عباءة الدين. سوف تكون خسارة كبيرة لمصر ألا تدفع بشبابها لكى يكون شريكا رئيسيا فى إدارة شئون هذا البلد. لا يمكن أبدا أن تظل مصر حبيسة أجيال سيطرت على الدولة عقودا من الزمن لأن من حق الأجيال التى أسقطت نظاما فاسدًا وآخر مستبدا أن تأخذ فرصتها فى الحياة.
– بعد ثلاث سنوات من الثورة وآلاف المظاهرات والحشود والبرامج التليفزيونية والصراعات والمعارك لم تتقدم الأحزاب السياسية المصرية خطوة واحدة للأمام. لم تستطع هذه الأحزاب أن تستغل ما أتيح لها من الفرص فى الشارع المصرى أين هذه الأحزاب بين القوى الشبابية وأين دورها فى تغيير وتعديل مسار القوى السياسية، وهل هناك حزب واحد يستطيع أن يدعى الآن أنه قادر على حسم معركة انتخابية أو حشد جماهيره من أجل تغيير حقيقى فى الشارع المصرى. لم تستطع جبهة الإنقاذ وهى تضم معظم أحزاب مصر وقواها المدنية أن تخلع الاخوان المسلمين من الحكم ولولا دعم الجيش لمطالب الشعب المصرى وفشل الاخوان فى تجربتهم فى الحكم ما تحقق شىء من ذلك كله فى الشارع المصرى.
أن المؤسف فى الأمر أن الأحزاب المصرية لم تحقق تواجدا حقيقيا فى الشارع المصرى منذ قيام الثورة وحتى الآن ولولا حشود الشباب وهى خارج نطاق الأحزاب ما تحقق شىء مما نراه الآن فى الساحة السياسية.
– أن الشارع المصرى تحكمه الآن عوامل كثيرة تقوم عليها لعبة الانقسامات والمرجعيات. فى مقدمة هذه العوامل المال وهو قادر على أن يحسم أشياء كثيرة وهو أداة قوتين رئيسيتين فى هذا المجتمع هما الحزب الوطنى المنحل وجماعة الاخوان المسلمين. وللأسف الشديد أن جميع الانتخابات السابقة فى مصر كانت تدور فى هذا الفلك الذى تحركه الأموال ابتداء بشراء الذمم وانتهاء بأكياس السكر وزجاجات الزيت.
فى نفس الإطار تبدو العصبيات القديمة ومازالت حتى الآن تحكم جزءا كبيرًا من الاختيارات السياسية فى ريف مصر خاصة صعيدها وصحاريها وهناك من يلعب بورقة الدين أمام ملايين البسطاء الذين عجزت الدولة سنوات طويلة أن توفر لهم حقهم فى التعليم. وما بين المال والدين والعصبيات تقف النخبة المصرية حتى الآن فى حالة عجز كامل عن اختراق الشارع المصرى وتحقيق أى انجاز شعبى فيه. مازالت النخبة حائرة بين الصحف والفضائيات والتجمعات النخبوية التى ظلت بعيدة عن نبض الشارع ومطالبه الحقيقية.
وسط هذه الكتل البشرية يقف الجيش المصرى محققا أعلى درجات التأثير والجماهيرية رغم كل ما تعرض له من الانتقادات والاتهامات والشتائم. بقى الجيش مصدر الحماية تسانده الشرطة وهى تستعيد وجودها ومكانتها فى ضمير الناس. وسط هذه الانقسامات التى مازالت حتى الآن تشوه الواقع المصرى وتدمر أجمل ما كان فيه نجد معركة ضارية ضد الإرهاب فى سيناء ومعارك أخرى داخل الوطن لاستعادة هيبة الدولة واستقرارها أمام قوى سياسية تحولت إلى عوامل هدم ودمار.
– مازالت الدولة المصرية رغم نجاحات كثيرة حققتها فى أكثر من مجال نراها عاجزة تماما عن إيجاد صيغة لإعلام رشيد فما زالت الأهواء والأموال والمصالح تعبث بالإعلام المصرى من كل جانب. مازال التمويل الأجنبى الذى تحدثت عنه أجهزة الدولة مرات كثيرة ولم تحسم شيئا فيه. ومازالت مؤامرات التقسيم والحشود والمتاجرة تحتل مقدمة المشهد ومازالت الزعامات الإعلامية التى خلطت السياسة بالمال بالمصالح تعبث فى مقدرات هذا الشعب وتستبيح مستقبله.
أقول. مازال الإعلام المصرى يمثل أكبر خطر يهدد حياة المصريين. إنه إعلام ساذج ومفكك ومحبط ولا يعرف قضايا الوطن الحقيقية. يجلس المصريون الآن بالساعات أمام تفاهات يومية مكررة ووجوه تمارس العبث والدجل والتحايل دون تدخل من احد. لقد خلق الإعلام المصرى فى سنوات قليلة الكثير من الزعامات الكاذبة والوجوه المضللة والغريب أنه لم يجد حتى الآن من يحمى ضميره ويعيد إليه رشده.
إن هذه الانقسامات والمعارك التى مازالت حتى الآن تحكم صورة الشارع المصرى تمثل تهديدا حقيقيا لمستقبل مصر الذى نريده ونسعى إليه. بعد سنوات ثلاث من ثورة يناير مازال المشهد المصرى عاجزًا عن التقدم للأمام فى ظل قوى سياسية حقيقية. مازال بيننا من يدبر المؤامرات لكى تعود أشباح الحزب الوطنى للساحة مرة أخرى. فمازالت فلول الوطنى تمارس الإرهاب الإعلامى. والإخوان المسلمين يستخدمون أقذر الوسائل الدموية إرهابا لكى يستعيدوا حكمهم المخلوع. ومازال شباب مصر حائرا بين عهدين سابقين ورئيسين مخلوعين وأجيال تأبى أن تنحسب بحكم العمر والزمن وتترك الساحة لمن هم أحق وأجدر. مازال المصريون حائرين بين نخبة فقدت تواصلها مع الناس وخاضت كل معاركها عبر الفضائيات والإعلام المأجور.
– أمام ذلك كله يبدو توحيد المصريين على كلمة سواء مهمة صعبة حيث تتجه السهام إلى كل من يسعى لجمع الشمل أو توحيد الهدف والإرادة.
يجب أن يتخلص المصريون من كل الأمراض التى أصابتهم فى السنوات العجاف إنهم يبحثون عن منقذ وهم غارقون فى الانقسامات والمعارك ويريدون الاستقرار ومنهم من يشعل الحرائق كل يوم ابتداء بالإعلام المغرض ومواكب الإرهاب وانتهاء بلغة المصالح التى غيرت النفوس والضمائر.
قبل أن نتحدث عن انتخابات قادمة تستعد لها الآن القوى السياسية المتناحرة يجب أن تكون لدينا الشجاعة أن نكشف أخطاءنا ونتعرف عليها طوال السنوات الثلاث الماضية، يجب أن نفتح أبواب الأمل لشباب غاضب ونعيد الأمن للنفوس الخائفة ويشعر الإنسان المصرى أنه عانى كثيرا ولكن أبواب الأمل والاستقرار ليست بعيدة.
يجب أن نقف الآن ضد كل من يسعى إلى انقسامات جديدة بين صفوفنا فلا ملاذ لنا غير أن نتوحد مرة أخرى على هدف واحد أن نستعيد الأمن والثقة والإيمان بأننا قادرون على أن نبنى وطنا جديدا.

 ويبقى الشعر. ” قصيدة الخيول لا تعرف النباح سنه 2000″

أتيتُكِ نهراً حزينَ الضِفافِ
فلا ماءَ عندي، ولا سنبلة
فلا تسألي الرّوضَ كيف انتهيت
ولا تسألي النهر من أَهْمَلَه
أنا زهرةٌ من ربيعٍ قديمٍ
أحَبَّ الجمال، وكم ظلله
حقائب عُمري بقايا سراب
وأطلالُ حلمي بها مُهْمَلَة
وجوهٌ على العينِ مرَّت سريعاً
فمن خان قلبي، ومن دَلله
ولا تسألي الشِعْرَ من كان قبلي
ومن في رحاب الهوى رَتّلَه
أنا عَابِدٌ في رِحَابِ الجَمَالِ
رأى في عيونكِ ما أَذْهَلَه
يقولون في القتلِ ذنبٌ كبيرٌ
وقتل المحبينَ مَن حَلّلَه
أناديكِ كالضوءِ خلفَ الغيوم
وأسأل قلبكِ من بَدَّلَه
وأصبحتُ كالنهرِ طيفاً عجوزاً
زمانٌ من القهرِ قد أَثْقَلَه
فهذا الحريقُ الذي في يديكِ
يثير شجوني. فمَن أَشْعَلَه
وهذا الشموخُ الذي كان يوماً
يضيءُ سماءَكِ مَن أَسْدَلَه
أَعيدي الربيع لهذي الضفاف
وقومي من اليأسِ، ما أَطْوَلَه
فخيرُ الخلائقِ شعبٌ عنيدٌ
إذا ما ابتدا حُلْمَهُ، أَكْمَلَه
حَزينٌ غنائي فهل تسمعينَ
بكاءَ الطيورِ على المِقْصَلَة
أنا صرخةٌ من زمانٍ عريقٍ
غَدَتْ في عيون الورى مَهْزَلَة
أنا طائرٌ من بقايا النسورِ
سلامُ الحمائمِ، قد كَبَّلَه
أنا جذوةٌ من بقايا حَريقٍ
وبستان وردٍ به قُنْبُلَة
فلا تسألي الفجر عن قاتليهِ
وعن سارقيهِ. ومن أَجَّلَه
ولا تسألي النَّهر عن عاشقيهِ
وعن بائعيهِ، وما أَمَّلَه
تعالي أحبُّكِ ما عاد عندي
سوى الحب والموت والأسئلة
زَمانٌ دميمٌ أذلَّ الخيولَ
فما كان مني، وما كنت له
خيولٌ تعرَّت فصارت نعاجا
فمن روّج القُبحَ، مَن جَمَّلَة
ومن علَّم الخيلَ أنَّ النباحَ
وراء المرابينَ، ما أجمله
هنا كان بالأمس صوتُ الخيولِ
على كل باغٍ له جَلْجَلَة
فكم أسقط الحقُّ عرشَ الطغاة
وكم واجَهَ الزيفَ كم زَلْزَلة
فكيفَ انتهى المجدُ للباكياتِ
ومن أخرس الحقَّ، من ضَلَّلَة
ومن قال أن البُكا كالصهيلِ
وَعَدو الفوارس كَالهَرْوَلَه
سلامٌ على كلِ نسرِ جسور
يرى في سماءِ العلا مَنْزِلَة

أضف تعليق