الصفحة الرئيسية

محلب وتحديات الفقر والأمن والفساد

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

كان الدكتور حازم الببلاوى يستحق وداعا اكثر نبلا من المصريين ويكفى ان الرجل جاء فى لحظة فارقة تحمل فيها، مع حكومته ظروفا صعبة ابتداء بدولة رابعة العدوية، وما حدث فيها وانتهاء بما شهدته الجامعات من مظاهر العنف التى تحولت فيها المدرجات والمعامل الى ساحات قتال. وسط وطن يشتعل ادت حكومة الببلاوى دورا لا ينكره إلا جاحد، واستطاعت ان تعبر بنا فى هذا المنعطف ونحن ننتظر كل يوم جمعة مواكب الخراب ولا احد يعلم من أين تجئ ومتى ترحل. كانت سيناء تشتعل من الإرهابيين، والجامعات تحترق من طلابها. والمساجد والميادين فى كل المحافظات لا تعرف متى تهدأ النيران وقد كان الببلاوى الوحيد الذى قبل المنصب بعد أن اعتذر عنه فاروق العقدة ورفض حزب النور الدكتور البرادعى هذه كلمة حق يجب أن تقال لحكومة رحلت.
– لن أتوقف كثيراً عند شخص إبراهيم محلب فهو صديق قديم ورجل من رجال المهمات الصعبة وهو بحكم العمل والخبرة لا يجيد الكلام ولا الوعود ولكنه نموذج للإنسان الذى يقدس قيمة العمل فقد شاهد مصر من أبعد نقطة فيها ورأى مشاكلها وأزماتها ولديه قدرة فريدة على الإنجاز كما انه عاش دائما وسط الناس ولم يكن بعيدا عن مشاكلهم. فى تقديرى أن تجربة د. الببلاوى مع السلطة قد انتهت تماماً وأن على المهندس محلب أن يبدأ من جديد حتى وإن كانت هناك بعض البقايا التى خلفتها تجربة د. الببلاوى.
– إن حالة الأمن الآن ليست رابعة العدوية أو النهضة أو إحراق أقسام الشرطة أو بداية المواجهة مع الإرهاب فى سيناء لم تعد هذه الجرائم فى الشارع المصرى الآن فقد استطاع جهاز الأمن المصرى أن يكسر شوكة العنف التى اجتاحت حياة المصريين طوال الشهور الماضية. تراجعت المظاهرات وهدأت الحشود واختفت الحرائق وبدأت فلول الإرهاب تمارس عدوانها هنا أو هناك ولكن بقى لدى المصريين إحساس بعدم الأمان أمام حوادث فردية ومظاهرات قليلة العدد، ولكنها تلجأ إلى العنف وانتشرت عمليات الاعتداء على الأفراد حتى رأينا ما يسمى القصاص خاصة من رجال الشرطة.
هذه البقية من أعمال العنف فى الشارع المصرى تحتاج إلى خطط جديدة من الشرطة تساندها جموع المواطنين. كان من الصعب أن يصبح المواطنون طرفا فى المواجهة فى الشهور الماضية حتى لا تتحول إلى حرب أهلية، ولكن يجب الآن أن يكون للشعب المصرى دور فى حماية أمنه من خلال دعم كامل لقوات الأمن خاصة فى تلك المناطق التى مازالت تستخدم أساليب العنف، وهذا يتطلب تطويرا سريعا لجهاز الشرطة من حيث الإمكانيات والمعدات والأجهزة الحديثة.
– كانت المواجهة بين قوات الجيش والإرهابيين فى سيناء واحدة من معارك الوطنية المصرية، ولا بد ان تكتمل من خلال التلاحم بين الجيش واهالى سيناء، وبينهما تاريخ طويل فى مواجهة العدو الخارجى وجاء الوقت ليحمى اهالى سيناء كل شبر من هذه الأراضى الطاهرة. إذا كان من الصعب ان يكون لهم دور فى مواجهة حشود الإرهاب قبل شهور مضت فإن مسئوليتهم الآن هى دعم قوات الجيش وهم يطاردون آخر فلول الإرهاب. سوف تراهن حشود العنف على الجامعات مرة اخرى بعد عودة الدراسة وهنا ينبغى تفعيل قانون التظاهر، وسلطة رؤساء الجامعات فى مواجهة العنف والطلاب الخارجين على القيم والسلوكيات الجامعية ومع هذا عودة الحرس الجامعى لحماية الجامعات.
رغم كل ما تحقق فى المواجهة الأمنية فى الشارع المصرى سوف تبقى قضية الأمن واحدة من اهم واخطر قضايانا فى المرحلة القادمة.
– امام وزارة المهندس ابراهيم محلب قضية لم تأخذ حقها منذ قامت ثورة يناير ضد النظام السابق وهى قضية الفساد سواء فى اجهزة الدولة، او فى الكثير من الأماكن فى حياة المصريين. لقد عمل المهندس محلب فى مواقع كثيرة وهو يعلم الكثير من اوكار الفساد فى الدولة المصرية. ان بعضها واضح وصريح. وبعضها يشبه اللهو الخفى الذى أفسد الكثير من مؤسسات الدولة. إن المهندس محلب كان وزيرا للإسكان وهو يعلم ماذا يجرى فى سلسلة توزيع الأراضى بغير حق. إنه يعلم كل ما اصاب ثروة مصر العقارية طوال ثلاثين عاما من النهب وكيف يمكن ان يعيد للشعب المصرى شيئا من حقوقه الضائعة. انه يعلم كيف تم بيع اصول الدولة المصرية من المصانع والمؤسسات، وكيف بيعت بأسعار هزيلة. وهو يعلم التجاوزات فى الإنفاق العام لمؤسسات الدولة وهو مازال قائما حتى الآن ويجب ان يخضع لقرارات حاسمة تتجاوز شراء المياه المعدنية ومواكب الحراسة. وأمام المهندس محلب آلاف المستشارين الذين لا يعملون شيئا ويحصلون على رواتب ومكافآت تكفى لتعيين عشرات الالاف من الشباب العاطل وهو يعرف ماذا يحدث فى الصناديق الخاصة فى مؤسسات الدولة والوزارات وتحت يد كبار المسئولين وهذه الأموال قدرها البعض بأكثر من 40 مليار جنيه وليست لها علاقة بميزانية الدولة، وهى ملكية خاصة لا تخضع للرقابة من اى جهة رقابية. انها مال سايب لا احد يعرف عنه شيئا.
ان المطلوب من الحكومة بكل مؤسساتها وأجهزتها ان تحاسب نفسها اولا وقبل ان تفرض الأعباء على الناس يجب ان تتطهر اولا من كل مظاهر الفساد المالى التى تعانى منها فى صورة نفقات او مكآفات او رواتب او اموال تتدفق فى بلاعة الجهاز الإدارى.
– قلت يوما ان اكبر احزاب مصر عددا هم فقراء المحروسة وهؤلاء لا احد يعرف الكثير عنهم إذا. كان آخر تعداد للمصريين قد وصل الى 94 مليون مواطن، فإن 50 مليونا منهم على الأقل لا يتمتعون بحقهم فى حياة كريمة فيها رغيف خبز وماء نظيف ورعاية صحية ومسكن آمن وتعليم سليم. لا اطالب المهندس محلب وحكومته الجديدة ان يوفر مطالب هؤلاء بين يوم وليلة او شهر او شهور ولكن ينبغى ان تكون عين كل اجهزة الدولة على هؤلاء لأسباب كثيرة.
ان هؤلاء دفعوا فاتورة الفقر فى عهدين احدهما استمر ثلاثين عاما وترك لهم 20 مليون مواطن يعانون فيروس سى ومثلهم واكثر يعانون الأمية. ونصفهم يعانون البطالة بين الشباب، بينما ترك لهم نظام العام الواحد الجهل والتخلف وفلول الإرهاب. إن حزب الفقراء المصرى لابد ان يكون صاحب الاهتمام الأول فى سياسة الحكومة ان المهندس محلب يعرف الكثير من معاناة هؤلاء. لقد زارهم فى العشوائيات وشاهد بنفسه كيف تعيش أسرة كاملة فى غرفة من الخشب، وكيف تشترك عشرات الأسر فى دورة مياه خارج حدود الإنسانية وكيف تأتى المياه ملوثة بالمجارى وكيف ينام الأطفال بلا طعام وكيف يحتوى الفصل الدراسى اكثر من مائة تلميذ يجلسون على الأرض رغم هذا كله تحمل هؤلاء ولم تخرج من بينهم حشود تحاصر مجلس الوزراء وتطالب بحقوقها فى مظاهرات فئوية. ولم يخرج فقراء العشوائيات الى منتجعات القطامية والتجمع الخامس ومدينة اكتوبر كانوا اكثر شرفاء مصر ترفعا بعد ثورة يناير وظلوا على عهدهم حتى الآن. هؤلاء هم الأحق الآن بالرعاية وان تتجه اليهم رعاية المصريين جميعا. هنا لا يمكن ان نتجاهل دور القادرين من اثرياء مصر الذين اختفوا فى ظروف غامضة منذ رحيل النظام الأسبق وتابعه النظام السابق.
أين اثرياء مصر فى هذه الظروف الصعبة أين دعمهم للحكومة وهى تحاول ان تواجه التحديات أين دورهم بجانب فقراء مصر وهل أدرك هؤلاء ان صمت الفقراء لن يكون ابديا. على اثرياء مصر ان يمدوا يدهم فى مشروعات كثيرة لتحسين مستوى التعليم والصحة والخدمات وتطوير العشوائيات. بل ان عليهم مسئولية اخرى فى دعم بعضهم البعض فى تشغيل مصانعهم لأن الحكومة لا تستطيع وحدها ان تفعل ذلك وإن كان دور البنوك فى المرحلة القادمة يمكن ان يشارك فى تشغيل المصانع والوحدات الإنتاجية التى توقفت عن العمل. إن لدى البنوك مليارات الجنيهات المتجمدة فى صورة ودائع للأفراد وقد جاء الوقت لتشغيل هذه الأموال من اجل الإنتاج والعمل والبطالة والتنمية الاقتصادية بكل جوانبها مع وضع الضمانات الكافية لحمايتها.
يجب ان يشعر فقراء مصر انهم يملكون شيئا فى هذا الوطن وان مصر لم تعد فقط ملكا لمجموعة اشخاص نهبوها فى غفلة من الضمائر. إن امام الحكومة الجديدة اموالا كثيرة يمكن ان تفتح الطريق لمجتمع اكثر امنا ورخاء واستقرارا. إن معادلة الأمن سوف تفتح ابواب السياحة وتفتح ابوابا للعمالة والإنتاج. ومع زيادة السلع تنخفض الأسعار، وتزداد معدلات النمو. وحين تغلق الحكومة ابواب الفساد وما أكثرها سوف نكتشف ان امامنا موارد كثيرة لم نكن نعلم عنها شيئا. إن سقوط منظومة الفساد هى اول خطوات الرخاء والعدالة. وحين تتجه القلوب صافية لترى احوال فقراء هذا الشعب وتسعى لانتشالهم مما يعانون منه فسوف نكتشف ان العشوائيات لم تعد خرائب. وان المواطن الفقير حين يجد عملا كريما لن يحمل سلاحا ولن يشتريه احد بأموال الدنيا. يجب ان نخاطب الثوابت الأصيلة فى الشخصية المصرية لأن الفقر هو الأب الشرعى للعنف فى معظم الأحيان ولأن الوعى لن يترك فرصة للمغامرين باسم الدين والمتاجرين بالشرائع. وحين نتخلص من فيروس “سى” الذى يلتهم اكباد المصريين وحين نقضى على الأمية التى اكلت ودمرت عقولهم سنوات طويلة فأصبحوا نهبا للجهل والخزعبلات. وحين نسلم الراية بكل الإخلاص والشفافية لأصحابها من الشباب بلا أنانية او عدوان على حقوق الآخرين ساعتها سوف نكتشف اننا أضعنا عمرا طويلا فى معارك وهمية وحسابات غامضة، وان ثروة مصر الحقيقية كانت وستبقى هى الإنسان المصرى العظيم.

 ويبقى الشعر. “قصيدة عودوا الى مصر سنة 1997”

عودُوا إلى مصْر ماءُ النيل يكفينا
منذ ارتحلتمْ وحزنُ النهْر يُدْمينا
أيْن النخيلُ التى كانتْ تظللنا
ويرْتمى غصْنُها شوقاً ويسقينا؟
أين الطيورٌ التى كانتْ تعانقنا
وينتشى صوْتـُها عشقا وَيشجينا؟
أين الرُّبوعُ التى ضمَّتْ مواجعَنا
وأرقتْ عيْنها سُهْدًا لتحْمينا؟
أين المياهُ التى كانتْ تسامرُنا
كالخمْر تسْرى فتـُشْجينا أغانينا؟
أينَ المواويلُ؟. كم كانتْ تشاطرُنا
حُزنَ الليالـى وفى دفْءٍ تواسينا
أين الزمانُ الذى عشْناه أغنية
فعانقَ الدهرُ فى ودٍّ أمانينا
هلْ هانتِ الأرضُ أم هانتْ عزائمنا
أم أصبحَ الحلمُ أكفانا تغطينا
جئنا لليلى. وقلنا إنَّ فى يدهَا
سرَّ الحيَاة فدسَّتْ سمَّها فينا
فى حضْن ليلى رأينا المْوت يسكنـُنا
ما أتعسَ العُمْرَ. كيف الموتُ يُحْيينا
كلُّ الجراح التى أدمتْ جوانحَنا
وَمزقتْ شمْـلنا كانتْ بأيدينا
عودوا إلى مصْر فالطوفانُ يتبعكمْ
وَصرخة الغدْر نارٌ فى مآقينا
منذ اتجهْنا إلى الدُّولار نعبدُهُ
ضاقتْ بنا الأرضُ واسودتْ ليالينا
لن ينبتَ النفط أشجاراً تظللنا
ولن تصيرَ حقولُ القار. ياسْمينا
عودوا إلى مصْرَ فالدولارُ ضيَّعنا
إن شاء يُضحكـُنا. إن شاءَ يبكينا
فى رحلةِ العمْر بعضُ النـَّار يحْرقنا
وبعضُهَا فى ظلام العُمْر يهْدينا
يوماً بنيتمْ من الأمجَاد مُعجزة
فكيفَ صارَ الزَّمانُ الخصْبُ. عنينا؟
فى موْكبِ المجْد ماضينا يطاردنا
مهْما نجافيهِ يأبى أن يجَافينا
ركبُ الليالى مَضَى منا بلا عَدَدِ
لم يبق منه سوى وهم يمنينا
عارٌ علينا إذا كانتْ سواعدُنا
قد مسَّها اليأسُ فلنقطعْ أيادينا
يا عاشقَ الأرْض كيفَ النيل تهجُرهُ؟
لا شىءَ والله غيرُ النيل يغنينا.
أعطاكَ عُمْرا جميلا عشتَ تذكرهُ
حتى أتى النفط بالدُّولار يغـْرينا
عودوا إلى مصْرَ. غوصُوا فى شواطئهَا
فالنيلُ أولى بنا نعطيه. يُعْطينا
فكسْرة الخبْز بالإخلاص تشبعُنا
وَقطـْرة الماءِ بالإيمَان ترْوينا
عُودُوا إلى النيل عُودُوا كىْ نطهِّـرَهُ
إنْ نقتسِمْ خـُبزهُ بالعدْل. يكـْفينا
عُودوا إلى مِصْرَ صَدْرُ الأمِّ يعرفـُنا
مَهْمَا هَجَرناهٌ. فى شوْق يلاقينا

أضف تعليق