الصفحة الرئيسية

مصر والعالم. حسابات خاطئة 11/10/2013

الكاتب فاروق جويدة , في قسم مقالات فاروق جويدة

مصر والعالم. حسابات خاطئة

بقلم:   فاروق جويدة

***********************************

اصبح من الصعب فى زماننا ان تقوم العلاقات الدولية بين الدول والشعوب على اسس راسخة من الثوابت التاريخية والأخلاقية فلقد تغيرت موازين السياسة وافتقدت الكثير من مقوماتها التاريخية. ولهذا وجدنا هذه العلاقات تخضع لنشرة الأحوال الجوية فهى كل يوم على حال. ولعل السبب فى ذلك يرجع الى تغير لغة المصالح وازدواج المفاهيم والمقاييس لمعنى العلاقات المتوازنة، وبجانب هذا حالة القصور التى اصابت الواقع السياسى العالمى فى كل جوانبه مما جعل المهمة صعبة والرسالة مستحيلة.
فى حديث طويل ممتع على غداء عمل دعا له وزير الخارجية نبيل فهمى عددا من الكتاب والمفكرين دار الحديث عن مستقبل العلاقات الخارجية المصرية مع العالم. حاول الوزير ان يربط تاريخ وزارة الخارجية المؤسسة العريقة بحاضرها مع اطلاله نحو المستقبل. لم يخل الأمر من تعليقات وتساؤلات هنا وهناك او محاولة لكشف الحقيقة رغم اننا نعلم انها تبدو احيانا مرة. هناك جوانب يجب ان نحافظ على سريتها لحساسيتها الشديدة وجوانب اخرى يجب ان نتوقف عندها ونناقشها بكل الوضوح والصراحة.
دارت فى ذهنى افكار كثيرة وتوقفت عند بعض الملاحظات او ربما الأخطاء التى وقعت فيها سياستنا الخارجية طوال السنوات الماضية.
– لا بد ان نعترف ان مصر قد ضيقت الى ابعد الحدود مساراتها الخارجية بحيث انها انحصرت تقريبا فى إطار دول الإتحاد الأوروبى وامريكا. وكان من الخطأ الجسيم ان تترك الساحة الدولية بكل تنوعها واتساعها ومصالحها وتقتصر علاقاتنا على هذه المساحة، لا أحد ينكر اهمية امريكا كقوة دولية وحيدة ومعها الاتحاد الأوروبى خاصة بعد ان اتسعت مساحته ليشمل اوروبا الشرقية بعد سقوط الإتحاد السوفيتى. لقد استمدت علاقتنا مع امريكا اهميتها منذ توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل، واصبح من الضرورى ان تعبر هذه العلاقات من تل ابيب احيانا لتصل الى واشنطن ولا شك ان هذه كانت نقطة ضعف اساسية فى مسيرة القرار المصرى حين اعتقد المسئولون عنه ان اسهل الطرق الى قلب امريكا هى إسرائيل. وللحقيقة فإن اسرائيل فى احيان كثيرة قد اكدت هذا التوجه وان دفعت مصر ثمنه غاليا من حيث الدور والأهمية والقرار. فى احيان كثيرة بدت سياسة مصر الخارجية وكأنها دائما فى حالة انتظار لضوء اخضر يأتى من واشنطن وربما من تل ابيب. وفى المقابل فقد فرطت مصر فى علاقات تاريخية مع دول كثيرة. فرطت مصر فى علاقاتها مع الاتحاد السوفيتى السابق، “روسيا حاليا” رغم ان هذه العلاقة اعطت لمصر وزنا متميزا وصل بها الى حالة من التوازن فى علاقاتها بين القوى العظمى. ولا شك ان الإتحاد السوفيتى شعر فى فترة ما بشئ من الجحود خاصة انه قدم لمصر دعما فريدا فى كل المجالات الإنتاجية والعسكرية والصناعية وكان شريكا داعما للقرار المصرى فى فترة صعبة من تاريخ مصر الحديث.
فرطت مصر فى علاقات تاريخية مع الهند حين بدأنا معا تجربتنا الأولى مع الديمقراطية والاستقلال وكان غاندى فى دلهى وسعد زغلول فى القاهرة وبعد ذلك توطدت العلاقات بين عبدالناصر ونهرو لتقوم منظومة عدم الانحياز مع الزعيم اليوجسلافى تيتو. ومن ينظر الآن الى العلاقات المصرية الهندية يكتشف انها علاقات عادية جدا. وما حدث مع الهند حدث مع الصين القوة العظمى الصاعدة ثم اندونيسيا وباكستان ودول شرق آسيا. وفى نفس الاتجاه كان إهمال العلاقات التاريخية التى وصلت يومها الى حد المصاهرة مع إيران قبل ثورة يوليو حين تزوج شاه إيران بالأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق. وتراجعت منظومة العلاقات التاريخية مع إيران لتصل الى درجة القطيعة، وما يقال عن إيران يقال ايضا عن تركيا، فقد شهدت مراحل تراجع وازدهار لأنها لم تقم فى الأساس على لغة المصالح بل شابتها فى احيان كثيرة توجهات عقائدية اساءت لرصيد تاريخى ضخم بين البلدين رغم اشباح الماضى البغيض فى ظل الخلافة العثمانية.
– فى الجانب المهم من الصورة تبدو العلاقات بين مصر والدول العربية والتى قامت على ثلاثية تاريخية لا يمكن تجاهلها هى الدين واللغة والجغرافيا وهى ثلاثية لا تكاد تجتمع فى دولة واحدة وليس فى عدد من الأوطان. لقد فرطت مصر فى دورها العربى امام صراعات سياسية غيرت كل الحسابات. كان الدين الوسطى هو اول رسائل مصر التاريخية لعالمها العربى. وكانت اللغة العربية بكل تراثها هى أهم واقدم وسائل التواصل بين الشعوب العربية ومنها كان الإبداع المصرى الخلاق فى كل جوانب الثقافة فكرا وشعرا وفنونا. ثم كانت القوة الناعمة للمصريين والتى تجسدت فى طبيب ماهر واستاذ جليل وعالم موسوعى وكفاءات قادرة فى كل المجالات. ومع القوة الناعمة المصرية فى عصرها الذهبى تأكدت معانى الوحدة العربية ورباط الدم والأخوة وساعد على ذلك علاقة جغرافية ربطت بين ابناء الأمة الواحدة لغة وتاريخا ومصيرا.
ان مصر هى التى فرطت فى دورها العربى وتخلت عن ثوابتها وكوادرها ومقومات تميزها فى مجالات كثيرة فقد الفن المصرى بريقه. ولم يعد لدى مصر ما تقدمه من الإبداع الأدبى والفكرى الراقى الذى اعتاد عليه العالم العربى سنوات طويلة فى ظل رموزها الكبار ومع تراجع اهمية اللغة العربية لدى الأجيال الجديدة طغت الفنون الأجنبية على الذوق العربى فى السينما الأمريكية ومواكب النت والفضائيات، وكان ينبغى ان تواكب مصر بإبداعاتها كل هذه المتغيرات، وبجانب هذا فإن المتغيرات السياسية والطفرات الإقتصادية ومنظومة التعليم الأجنبى التى حدثت فى تركيبة المجتمعات العربية غيرت الكثير من ثوابتها ومفاهيمها، بل انها اصبحت قادرة على تقديم نماذج ثقافية وحضارية تتناسب مع ظروفها، وما طرأ عليها من متغيرات.
هنا يبدو امامنا هذا السؤال. وماهى صورة المستقبل وكيف نستعيد المكان والمكانة ونعيد للعلاقات المصرية مع العالم كل العالم توازنها القديم.؟
– لا أحد يفكر او يتجاهل دور امريكا القوة العظمى فى العالم وما تقدمه لنا من دعم خاصة الدعم العسكرى وهو جانب لا يستطيع أحد انكاره او تجاهله فقد استمر ثلاثين عاما، واصبح من المصادر الضرورية لقواتنا المسلحة. ولكن من الخطأ ان تختصر امريكا علاقاتها مع مصر فى بضع ملايين من الدولارات جعلت الرئيس اوباما يتحدث عنها فى محفل دولى فى الأمم المتحدة فى تصرف لا يليق استنكره بوضوح وزير خارجية مصر ولا ينبغى ان تظل العلاقات بين مصر والعالم تدور فى دائرة واحدة لأن مصر ما بعد الثورة لا بد وان تنفتح على العالم كله، ولا بد ان نسعى الى مصادر انتاج وتطوير ومعرفة مع مراكز التقدم وما حدث فى دول شرق اسيا اكبر دليل على ذلك فقد استفادت الى أابعد مدى من التكنولوجيا المتقدمة والصناعات الصغيرة ووسائل الاتصال الحديثة وثورة المعلومات والإنترنت ومراكز المال العالمية.
– يجب ان نستعيد قدرات قوتنا الناعمة ليعود الدور المصرى الفكرى والثقافى الى العالم العربى لقد تراجعت قدرات كثيرة، ولكن بقيت نقاط ضوء يمكن الانطلاق منها. رغم ما حدث للسينما المصرية وما اصابها من انهيارات إلا انها بقيت من الجسور القوية خاصة مع انتشار الفضائيات يأتى فى هذا السياق ايضا دور الدراما المصرية وهى مازالت قادرة على تقديم فن جيد. يأتى ايضا دور الجامعات وهى مازالت تحتل مكانة كبيرة لدى المثقف العربى خاصة جامعة الأزهر المؤسسة الدينية العريقة وجامعة القاهرة بتاريخها المضيء. هناك ايضا السياحة ومازالت مصر حتى الآن اهم مزار سياحى للمواطن العربى وبجانب دورها الحضارى فهى مصدر اقتصادى سريع ومؤثر. لقد فرطت مصر فى علاقات شديدة العمق مع دول الخليج فى فترة كان ينبغى ان تكون اكبر شريك لهذه الدول فى بناء اقتصادياتها. يأتى ايضا إهمال علاقة تاريخية مع السودان الشعب والعمق الإستراتيجى. وتأتى ليبيا بوابتنا الى شمال افريقيا وتداخل سكانى وبشرى وجغرافى يشمل ليبيا كلها.
– كان سد النهضة فى اثيوبيا اكبر دليل على فشل السياسة المصرية فى التعامل مع افريقيا رغم اننا كنا يوما قلب افريقيا ولم نكن مجرد موقع متميز على خريطتها. لقد باعت مصر فروع شركة النصر واشترتها شركات اسرائيلية وكان لدينا عدد من الرموز التى لقيت دائما كل التقدير امثال بطرس غالى ومحمد فائق ومحمد غانم وتراجعت علاقاتنا مع افريقيا حتى وصلت احيانا الى درجة القطيعة رغم اننا نعلم ان شريان الحياة الذى يجرى فى اراضينا يمثل علاقة كونية فريدة لا يمكن اهمالها.
– كان الحديث مع وزير الخارجية نبيل فهمى حديثا ممتعا وعميقا طاف فى مناطق كثيرة خاصة ان الرجل يضع يديه على كل تفاصيل المشهد السياسى المصرى، وهو يدرك نقاط ضعفه وما بقى له من مصادر القوة وقد كان شاهدا ومشاركا على الكثير مما جرى فيه.
لا يستطيع وزير مسئول ان يضع تصورا كاملا للمستقبل فى ظل حكومة انتقالية لن يتجاوز عمرها تسعة أشهر، ولكن على الجانب الأخر فإن الرجل حريص على ان يضع خطوطا لعلاقات دولية متوازنة ومبادئ عامة تحكم مسيرتنا نحافظ فيها على مصالحنا وثوابتنا دون ان يتأثر ذلك كله بحسابات قديمة حملت الكثير من جوانب القصور والسلبية

أضف تعليق